اعلن معنا

قصة ( السجين رقم 21 ) الجزء 10-11-12



---------- Forwarded message ----------
From: M.AL-YAHYA <myny100@hotmail.com>
Date: 2009/9/28
Subject: قصة ( السجين رقم 21 ) الجزء 10-11-12
To:




** يسعد صباحك **

** والمساء وآخر الليل **

 ** وأول نهارك والظهر والعصاري ** 

 



بالنسبة للقصة حدثت ولكن ليست لي أنا شخصياً وإنما لشخص عزيز

 فأحببت تقمص الدور لأعيش تلك الأحداث وأستطيع تصويرها

 

 

 

الــجــزء العاشــــر

نفسي..أليس السعيد من أتعظ بغيره..؟!ولكن أيضاً لا مجيب.. بعد تلك الواقعة وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى

بيت صاحبي خالد لكي أقابل أباه..خرج لي أخاه الأكبر الذي كان يبغضني أشد البغض..لم ألحظ عندها نظرات

الكره تلك التي كان يكنها لي..سألت عن والده..فأخبرني أنه توفي منذ أسبوعين..!كانت صدمةً لي أخرى وصدمةً

لهُ هو أُخرى ذات وقعٌ آخر..وتعددت الأسباب والموتُ واحد..ذهب والده وهو غير راضٍ عنه..ما أشنعها من

خاتمة..كنتُ أعيش معيشةً ضنكا..بسبب بعدي عن الله..وبسبب تلك الأحداث المروعة..كنت كلُ ما أن أذهب لنوم

إلا وينتابني شعور غريب..كنتُ أحس بدقات قلبي تتسارع وكأن روحي معها سوف تخرج..فأشعر بالقلق

والخوف..كنت أنام وأنا خائف أن ألا أصحو مُجدداً..كان شبح الموت ورائحته تطارداني..من شدة التفكير

أصبحتُ أحلم بما كان يفعلهُ خالد من منكرات..فأقوم من نومي مرعوباً..كنت أُريد أن أبكي لكني لم أستطع..كنتُ

أرى نفسي حيٌ قد كُتب عليه الموت في كل يوم وليلة..أصبحتُ أصحو فجر كل يوم رغم نومي قبل الفجر بساعة

وأنا أسمع صوت أمام المسجد يقرأ الآيات التي تذكرني بالموت..(والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذٍ المساق

فلا صدق ولا صلى)فأتذكر جنازة خالد..وأتخيل الموت الذي يلاحقني..ويتكرر معي هذا المشهد في كل يومٍ وليلة

أثناء صلاة الفجر..وأنا تحت غطائي..وأحياناً أخرى أسمع الإمام يقرأ(ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون

إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)فأتذكر خالد..الذي ظل شبحاً يلاحقني..أُحس بالتأنيب تارة..وتارة

بالندم..وفي مرة من المرات كنت كل ما حاولت النوم..أقوم مرعوباً..وأنا أتذكر وجه خالد الذي باع آخرته

بدنياه..وأستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.. والذي لم يكن يعلم عن وفاة والده..خالد الذي ضاع..حينها وفي

ذلك اليوم تحديداً,لم يهدأ لي بال ولم يغمض لي جفن..كنت أحس بالتعب وأريد أن أنام ولكن الخوف والتفكير

يمنعني..قمت من سريري وفي داخلي هم لا يكاد ينجلي..توضأت وبدأت أحس بالراحة..وكأن شيءً يخرجُ من

غمار صدري وجوفه..كأنني بدأت أتنفس..صليت فيها ركعتين و قرأت فيها المعوذات وآية الكرسي..وكأن الدنيا

بدأت تشرق بعيني وتجلي ذاك الهم..أحسستُ براحةٍ عميقة..أخذت المصحف المركون فوق أحد الأرفف وقد كساه

الغبار..بدأت أقراء ما تيسر..وكأن غمامة أُزيحت عن عيناي..بدأت أقرأ وأنا أتمعن بمعاني كلام الله..أتمعن في

هذا الإعجاز الذي بين أيدينا..أتدبر آياته وكأني لتو فتحت عيناي..يا لهُ من إعجاز..أين كنت عن مثلِ هذا..؟كان

عمري حينها على أعتاب الخامسة والعشرين..خمسة وعشرين سنة من الضياع ألقت أوزارها الآن..وهذه

صرخاتي أدونها..وأنه لآآآآخٌ لو تعلمون عظيم:



أواهُ يا عمراً قد مضى     وأواه يا عمراً قد أتى

حين أيقنت أني مخطئا     نطق اللسان متأسفا

جروحٌ أدمت القلب دما     وبانت بأفعاله الندما


 

الجزء الحادي عشر

ذهبت بعد ذلك لأداء العمرة مع أحد أبناء عمي..كنتُ لا أزال مدخناً وحليق..وعدا تلك الأمور فقد هجرتها من

شرب الخمر..وسماعٍ للأغاني والغزل..كرهتها بشدة و أصبحت أتمنى ترك الدخان..المشكلة أن أخي صالح

كان قد بدأ يحذو حذوي في بعض تلك الأمور التي قررت هجرانها..وهذا ما سبب لي ألماً في نفسي فأنا من

علمته ذلك المسلك وذاك الطريق يوم أن كنتُ غافلاً..وهذا ما سبب بيني وبينه بعد توبتي بعض الإشكالات..

لم يكن يستمع إلى كلام والدي الذي كان يكرر دوماً أني مثل الأصبع الذي وجب بتره,حين كان ينهاه عن

مرافقتي لعلمه أنه قد يتأثر بأفكاري.. في أثناء ذهابي للعمرة لم يكن والدي مصدقاً ذلك فقد كان يعتقد بأني مسافراً

لإحدى البلدان الأجنبية..كانت تلك المرة الوحيدة التي خاب بها حدس وظن والدي..للأسف لم تتحسن علاقتي معه

في بادي الأمر لعدم تصديقه التام بما طرأ علي من تغيير..كنت أنا ووالدي نتشارك كثيراً فيما نكره ولا نتشارك

فيما نُحب وهذا مما جعل المسافة تزداد بيننا أتساعاً..بعد أداء العمرة أصبحت أحب القراءة بنهمٍ شديد..كنتُ أقرأ

في البداية والنهاية والرحيق المختوم وتلبيس إبليس..وكنتُ كذلك أقرأ في أهوال القبر وجلدي يقشعر خوفاً..و كنت

أطرب بقراءة وحي القلم وأعجب كيف صاغ الرافعي ذلك..!و اندهشت من كتاب مقدمة أبن خلدون والتي كانت

مدخلاً للكتب السياسية والاجتماعية أكثر كالتاريخ السياسي لدولة الأموية والعباسية..وقرأت كيف كانت

نهايتهما..كنت أطابق في مجريات تلك الأمور في ذاك العصر مع بعض الأمور التي كانت تحدث لدينا وقد شدني

ذلك..قرأت كيف أن التاريخ يعيد صياغة نفسه..قرأت كذلك عن الحرب العالمية الأولى والثانية مما شدني لكتاب

حكماء بروتوكولات صهيون وكتاب أحجار على رقعة الشطرنج..كنتُ قد وجدتُ تلك الضالة المنشودة..بدت

أموري تسير على خير ما يرام..ولم يكن هناك شيءً يُنغصُ علي ذلك إلا تجاهل أبي لي..لذا كان لابدُ من جلسة

مصارحة ومشافهة..أعتذر فيها لأبي عن ما بدر مني سابقاً وعن تسببي له في المتاعب..يا سبحان الله ما أن يولد

الطفل إلا وتجد أبواه يحيطانه بالحنان ويسهران عليه..ويتعبون لتعبه..ويسعدوا ويحزنوا من أجله..ومع هذا لا

يجدوا شيءً نصب تعبهم هذا..نعم خُلِق الإنسان في كبد..عانى والدي مني الكثير..وسقطت دموع والدتي مِراراً

وتكراراً..وآن الأوان لأن تجف تلك الدموع وأن يقف مسلسل ذلك العناء المتكرر..

بعد ذلك القرار اتجهتُ إلى غرفة والدي في المساء قبل أن ينام..طرقت الباب ودخلت..سلمت عليه ووضعتُ قبلةً

لم أضعها من سنين فوق رأسه الذي بدا يشتعل شيباً جراء أفعالي تلك..تكلمتُ معه والعبرة تخنقني..تكلمت بلا

توقف,تكلمت وأبديت أسفي وندمي..كان لا ينظِرُ إلي وأنا أتكلم عتباً..وكُنتُ لا أنظِر إليه حسرةً وألماً..أنهيت

حديثي ودار صمتٌ بيننا لثواني..تكلمت من جديد وطلبته مسامحتي ونسيان الماضي..تكلم بعد أن ألححتُ عليه

بالسؤال وليتني ما ألححت..أحياناً بعض الحناجر تتمنى أنها لا تنطق..وأحياناً أخرى بعض الحناجر تتمنى أن

تنطق ولكنها لا تستطيع ذلك.. تكلم وقال ليتك اعتبرت بغيرك ولم يعتبر غيرك بك..تكلم والغضب بادياً على

محياه..تكلم وأخبرني أني لا أمثل لهُ إلا ذاك الأصبع المبتور..كانت كلماته أكثر أيجاع لي من ضرباته عندما كنت

صغيرا..ًوأكثر أيجاع من أي وقتِ مضى..ربما لأن ضميري بدا يصحو من غيبوبته التي طالت.. آلمني بكلماته

تلك حد البكاء..كان يريد أن يرى بعيني الندم..كان كلما أنطفئت دموعي ألقى بكلماته على مسامعي كي يوقدها..

بكيت تلك الليلة ألماً..وبكيت حزناً وبكيت ظمأً لوالدي..وأنهُ لآآخٌ لو تعلمون عظيم...


 

الجزء الثاني عشر

لم أيأس أبداً مع والدي..وكررت المحاولات بشكلٍ آخر لم تكن كلمات بل كانت مترجمةً حينها إلى أفعال لأقنعه

بها وأُزيل الشك الذي كان يعتريه..أصبحتُ أكثر من المكوث في البيت و أقضي حاجاته..وكنت أكثر من النصح

لأخي صالح لكنه كان يستمع إلي بجمود كجمود الصخر..يذكرني أحياناً بصاحبي خالد الذي سقط في الهاوية..

وهذا ما كنت أخشى عليه....ومع الوقت وبعد عدة أشهر كان أبي قد بدأ يلقي شيءً من قناعاته تجاهي..وبدأ يُظهر

لي جانب العطف والمحبة منه..كنت مسروراً حينها بهذا..ذهبنا بعد ذلك جميعاً لأداء العمرة ولتمشية في الطائف

وجدة..كانت رحلة جميلة خصوصاً أننا لم نجتمع لسنين عدة..كانت تلك الرحلة لها الأثر الأكبر في إذابة ما بقي

في نفس والدي علي..رغم غضبه علي لفترات بسيطة ومتقطعة أثناء رحلتنا وذلك بسبب تعنيفي الشديد لبعض

الشباب والفتيات الذين كنا نراهم يجاهرون بالمعاصي من غزل وتطويل للأغاني و ما إلى ذلك من أمور يستحيل

أن لا نراها خصوصاً في جدة.. وقد يكون لشدة الندم والإفراط في ذلك الألم دور في التعنيف الشديد الذي كنت

أستخدمه تجاه كلُ مخطئ..و بعد فترة من رجوعنا إلى الرياض كان لابد لي من إيجاد عمل بعيداً عن تلك القيود

التي تُكبلني وتُجبرني على الحضور والانصراف في وقت معين..فكان العمل الحر هو الخيار المطروح..قام

والدي حينها باستئجار إحدى المكاتب العقارية التي كانت معروضةً لتقبيل..كانت الأمور تسير وفق ما

يرام..وبدأتُ أعمل ليل نهار..وأبحث عن العروض وأسوقها..كانت عملية سهلة لا ينقصها سوى حُسنا الكلام

والهندام..وبدأتُ في إدارة أملاك بعض الأقرباء وبعضاً من أصدقاء أبي..كُنت سعيداً بذلك وبدأت أتقن ما أصنع

مع مرور الوقت جملةً وتفصيلا..استطعت لاحقاً بفضل الله ترك الدخان الذي كان يسبب لي حرجاً شديداً

خصوصاً أن الشعر بدأ يغطي ذقني..فما عاد هذا يُناسبُ وجود ذاك..وبدأت علاقتي تنشأ مع بعض رجال الهيئة

الذين كانوا يسكنون بالجوار من منزلنا..كُنتُ لا أتوانى بالاتصال بهم عند رؤيتي لأي منكرٍ كان, وبالطبع هذا

مما كان له الأثر الأكبر في تقريبي منهم وحضوري المتكرر في مركزهم وكسب صداقات جديدة مثل أبو

صهيب وأبو البراء..حتى علق يوماً والدي قائلاً:يا سبحان الله مقلب الحال من حالٍ إلى حال كانوا بالسابق

يطاردونك واليوم أنت تطاردهم..!كانوا يأتونني المنزل أحياناً وأحياناً أخرى يأتون لمكتبي.. كسبت أيضاً بعض

الصداقات جراء التحاقي بإحدى حلقات تحفيظ القرآن والتي كانوا يقومون أحياناً بكشتات إلى البر أو رحلات

لمدن مختلفة..كان صيت أسامة بن لادن قد بدأ يعلو في تلك الفترة سنةً بعد سنة..وكان غالب الناس في ذلك

الوقت والزمان إما ناقم بشدة أو مؤيدٍ أشد..وبالطبع كنت أنا ومن حولي من أصدقاء مؤيدين لهُ بشكل كبير..كنا

مندفعين ومتحمسين.. خصوصاً بعد المقابلة التي بُثت له عام 1998م..


0 التعليقات: