اعلن معنا

نصائح جدات



---------- Forwarded message ----------
From: Otaibi, Mohammed S <mohammed.otaibi.46@aramco.com>
Date: 2010/4/28
Subject: نصائح جدات
To: "als7af.group@gmail.com" <als7af.group@gmail.com>





التقيتها بعد فراق طويل أمام باب السوبر ماركت، عرفتها منذ سنوات طالبة جامعية لم تبلغ العشرين من عمرها. للوهلة الأولى لم أعرفها، ظننتها امرأة أخرى تشبهها ، لكنني أيقنت أنها هي و إن تغيرت الصورة المختزنة لها في مخيلتي.  لم تكن تلك الشابة النضرة المفعمة بالحيوية و الطموح، بدت حزينة و ذابلة و أكثر شحوبا منها في الماضي، و في مآقيها تعب و جفاف.. بدأت معها الحديث بسؤالها: " منذ مدة لم أرك.. أين أنت؟ و ماذا تفعلين هنا؟.

   أجابت بهدوء لامبال: " لا شيء .. كما ترين".

   و لا أدري لماذا خيل إلي أنها بحاجة لأن تروي لي حكايتها، فتوالت أسئلتي عن أحوالها و أخبارها، و يبدو أنني نجحت أن افتح خزان ذكرياتها. انفجرت قائلة، كما لو كانت تريد نفض هم يثقلها: " تزوجت قبل أن أتم دراستي

 زيجة مرسومة لي من قبل أسرتي، حاملة معي إلى عش الزوجية نصيحة غالية صدقتها، و اعتبرتها حصيلة تجارب الأمهات و الجدات.. اغرقي المنزل بالأولاد، كي تحتفظي بزوجك و تضمني بقاءه داخل أسوار البيت. و تحولت مع الأيام إلى آلة إنجاب لا تتوقف و لا تعرف الكلل.. كل يوم يمضي كان يزيدني وعيا بالخطأ الفادح الذي وقعت فيه، فهمومي ازدادت ثقلا و مشاكلي ازدادت تعقيدا، أصبحت تهدد أعصابي بالانهيار. و حتى مبرر حبي لزوجي تحول إلى مبرر بؤسي معه.

    فبين ولادة و أخرى كانت الألفة بيني و بين زوجي تنكسر، صار عصبيا و متوترا و متقلب المزاج، و لم تعد له صلة بالرجل الذي قاسمته إحباطا ته و نجاحاته لأعوام طويلة، و أفقت فجأة لأكتشف أن المنزل ضاق رغم اتساعه بكثرة الأولاد، و أن الرجل الذي أردت أن أربطه إلى جواري قد فر هاربا بعد عمر من المحبة و الشجار و الشماتة المتبادلة، و أن كثرة الحمل و الإنجاب قد هدت صحتي، و أنضبت ماء الحياة في جسدي".

    أخذت أحملق في وجهها بدون تصديق، لأقول لها" دعيني أصارحك، قد تكونين وجدت في أفكار أمك و جدتكِ عن علاقة الرجل بالمرأة سندا كبيرا، لكن الحياة الزوجية يا عزيزتي لا تقوم على مجرد نصائح نسمعها من هنا و هناك، و على قناعات بدائية كتلك التي تقول للفتيات قبل الزواج أن" لا شيء كالأولاد يربط الرجل إلى بيته" ، أو" ابنك على ما تربينه و زوجك على ما تعودينه" أو " من اليوم الأول يموت القط" خصوصا في زماننا الحالي، الذي وصلت فيه المرأة إلى أعلى مراتب العلم و المعرفة.

   و تابعت قائلة لها : " إن كثرة الإنجاب ليست الخطأ الوحيد الذي وقع، و لا يبرر وحده هروب الزوج.. فزوجك قبل أن يفر بجسده خارج أسوار البيت، قد فر بأحاسيسه و عواطفه بعد آخر طفل أنجبته.. خوفك من خسارة زوجك قد حجب الرؤية عنك.. ألف طفل لن يقنع رجلا بالبقاء إذا كانت نوازع الخيانة والهجر موجودة لديه، فالمنزل هو مملكتكما معا، و اكتساب حب الرجل و مودته لا يكون بتحويل مملكته إلى كثلة من الإرباك و الفوضى و سياسة الأمر الواقع".

   غابت عيناها في رحلة لا يحتويها زمن، ثم أنهت حديثها معي بعبارة واحدة.. " هذا نصيبي"1.

لزمت الصمت، و أخذت أهيم في دوامة من التفكير، لم أستطع أن أفهم ماذا تقصد صديقتي بكلمة النصيب.. هل تعني به النصيب الذي اختارته هي بكامل إرادتها؟ أم النصيب الذي فرضته عليها الظروف رغما عنها؟ و هذه الكلمة هل تكفي لتبرير انهيار علاقة قوية و متينة كالزواج مثلا بما فيها من مشاركة و عشرة و أولاد؟ ألا نشعر أحيانا أن النصيب هو ما نرسمه نحن؟ و أن مسؤولية ما نقوم به تقع علينا؟ أم أن تلك الخيوط العنكبوتية الخفية هي التي تحرك تصرفاتنا و عواطفنا و تسلبنا إرادتنا و قدرتنا على الاختيار؟.

  ولما لم أجد ما أقول، طلبت منها أن نجلس في مكان ما و نواصل الكلام، اعتذرت قبل أن أتم جملتي كمن يستعجل الخلاص.. سرت في طريقي، و أفكاري مشتتة لا وعاء يحتويها.. إن الأمومة جزء من كيان المرأة و إفرازات الحنان لديها.. كيف تتحول إلى سلاح للسيطرة على الرجل وابتزاز عطفه أو ماله؟ كيف تدفع بأطفالها ليلعبوا دور الدرع الحصين أو الكمبيالة المصرفية في أي شجار ينشب بينها و بين زوجها؟ أليس الزواج عطاء مجانيا و ليس مقايضة؟

 أم انه المنطق اللا منطقي لبعض النساء؟.

  

   و سلامي للأمهات والجدات عاشقات النصائح.. فنصائحهن قد تضر أحيانا و لا تنفع.

 


0 التعليقات: