اعلن معنا

صور من حياة الصحابه 10-(سراقة بن مالك )0+ سراقه بن مالك




---------- Forwarded message ----------
From: موج هادي <moj.hadi@hotmail.com>
Date: 2010/9/12
Subject: صور من حياة الصحابة 9-( أبوهريرة الدوسي)0
To: 


ابو هريره



 

* لا ريبَ في أنك تَعرفُ هذا النجمَ المُتألقَ من صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

وهل في أمةِ الإسلام أحدٌ لا يعرفُ أبا هُريرةَ؟

لقد كان الناسُ يدعونه في الجاهليةِ "عَبدَ شمسٍ"، فلمَّا أكرمَه الله بالإسلام وشرَّفه بلقاءِ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال له: "ما اسمُك؟"

فقال: عبدُ شمس.

فقال عليه الصلاة والسلام: "بَل عبدُ الرحمنِ".

فقال: نعم عبدُ الرحمنِ، بأبي أنت وأمِّي ( أي أفديك بأبي وأمي ) يا رسول الله.

أما تكنيتهُ بأبي هريرةَ فسببُها أنه كانت له في طفولتِه هرةٌ صغيرةٌ يلعبُ بها، فجعلَ لِداتُه ( المماثلون له في السن، وسموا كذلك لأنهم ولدوا في زمن واحد ) ينادونَه: أبا هُريرة.

وشاعَ ذلك وذاع حتى غلبَ على اسمه.

فلمَّا اتَّصلتِ أسبابُه بأسبَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلَ يُناديه كثيراً "بأبي هرٍّ" إيناساً له وتحبباً، فصارَ يُؤثرُ "أبا هِر" على "أبي هريرة" ويقول: ناداني بها حبيبي رسولُ الله.

والهرُّ ذكرٌ، والهُريرة أنثى، والذكرُ خيرٌ من الأنثى ...

 

* * *

أسلم أبو هريرة على يدِ الطفيل بن عمرٍو الدُّوسيِّ، وظلّ في أرضِ قومه دوسٍ إلى ما بعد الهجرةِ بستّ سنين حيث وفد مع جُموعٍ من قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ.

 

* * *

وقد انقطع الفَتى الدّوسيّ لخدمةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصُحبتهِ، فاتخذَ المسجدَ مقاماً، والنبي معلماً وإماماً، إذْ لمْ يكن له في حياةٍ النبي زوجٌ ولا ولدٌ، وإنما كانت لهُ أم عجوزٌ أصرَّت على الشركِ فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقاً عليها وبراً بها، فَتنفرُ منه وتصُدّه.

فيتركها والحزنُ عليها يفري فؤادَه فرياً.

وفي ذاتِ يومٍ دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله فقالت في النبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنَه.

فمضى إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي.

فقال له النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ( ما يُبكيك يا أبا هريرة؟! ).

فقال: إني كنتُ لا أفترُ عن دعوةِ أمِّي إلى الإسلام فتأبى عليَّ. وقد دعوتها اليومَ فأسمعتني فيك ما أكرَه.

فادعُ الله عزّ وجل أن يُميلَ قلبَ أمّ أبي هريرة للإسلام.

فدعا لها النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه.

قال أبو هريرة: فَمضَيتُ إلى البيت؛ فإذا البابُ قد رُدَّ، وسمعتُ خَضخَضة الماءِ فلما هممتُ بالدخولِ قالت أمي: مكانَكَ ( إلزم مكانك، أي لا تدخل ) يا أبا هريرة ....

ثم لبسَتْ ثوبها وقالت: أدخل؛ فدخلتُ فقالت: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله ....

فعُدتَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكي من الفرحِ كما بكيتُ قبل ساعةٍ من الحزن وقلت: أبِشر يا رسول الله... فقد استجابَ الله دعوتكَ وهدى أمَّ أبي هريرة إلى الإسلامِ...

 

* * *

وقد أحبَّ أبو هريرةَ الرسول صلواتُ الله عليه حُبا خالط لحمهَ ودمَه...

فكان لا يشبعُ من النظر إليه ويقولُ: ما رأيتُ شيئاً أملحَ ولا أصبحَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لكَأنَّ الشمسَ تجري في وجهِه....

وكان يحمدُ الله تبارك وتعالى على أن مَنّ عليه بِصُحبة نبيِّه واتباع دينهِ فيقول: الحمدُ لله هدى أبا هُريرة للإسلامِ ... الحمد لله الذي علمَ أبا هريرة القرآنَ .... الحمد لله الذي مَنّ على أبي هريرة بصُحبةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ....

 

* * *

وكلما أولعَ أبو هريرةَ برسولِ الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد أولعَ بالعِلم وجعلهُ دَيدنهُ ( دأبه وعادته ) وغاية يَتمنَّاه.

حَدّثَ زيدُ بنُ ثابتٍ قال: بينما أنا وأبو هريرة وصاحبٌ لي في المسجدِ ندعو الله تعالى ونذكرُه إذ طلعَ علينا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلَ نحونا حتى جلسَ بيننا، فسكتنا، فقال: ( عُودُوا إلى ما كنتم فيه ).

فدعوتُ الله أنا وصاحبي ( قبلَ أبي هريرة ) وجعلَ الرسولُ يُؤمنُ على دعائِنا...

ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهُم إني أسألك ما سألك صاحبايَ... وأسألك عِلماً لا يُنسى...

فقال عليه الصلاة والسلام: ( آمين ).

فقلنا: ونحن نسألُ الله علماً لا يُنسى.

فقال: ( سبقكم بِها الغُلامُ الدوسيُّ ).

 

* * *

وكما أحبَّ أبو هريرة العلم لنفسِه فقد أحبَّه لغيرِه...

ومن ذلك أنه مرَّ ذاتَ يومٍ بسُوقِ المدينة فهاله انشِغالُ الناسِ بالدنيا، واستغراقهُم في البيع والشراء والأخذِ والعطاءِ، فوقفَ عليهم وقال: ما أعجَزكم يا أهلَ المدينةِ!!

فقالوا: وما رأيتَ من عجزنا يا أبا هريرة؟!

فقال: ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقسم وأنتم ها هُنا...! ألا تذهبون وتأخذون نصيبكمْ!!

قالوا: وأينَ هو يا أبا هريرة؟!

قال: في المسجدِ.

فخرجوا سِراعاً، ووقفَ أبو هريرة لهم حتَّى رجعوا؛ فلما رأوه قالوا: يا أبا هريرة لقد أتينا المَسجدَ فدخلنا فلم نرَ شيئاً يُقسَم.

فقال لهم: أوما رأيتم في المسجدِ أحداً؟!

قالوا: بلى... رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون في الحلالِ والحرامِ...

فقال: وَيحكمْ... ذلك ميراث محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

 

* * *

وقد عانى أبو هريرة بسببِ انصرافهِ لِلعلمِ، وانقطاعِه لمجالس رسولِ الله ما لم يُعانه أحدٌ من الجوعِ وخُشونة العيشِ.

روَى عن نفسِه قال: إنه كان يشتدُّ بي الجوع حتى إنّي كنتُ أسألُ الرجلَ من أصحابِ رسولِ الله عن الآيةِ من القرآن ( وأنا أعلمُها ) كي يَصحبني معه إلى بيته؛ فيطعمني ...

وقد اشتدَّ بي الجوع ذات يومٍ حتى شدَدتُ على بطني حجراً، فقعدتُ في طريق الصَّحابةِ، فمرَّ بي أبو بكرٍ فسألته عن آيةٍ في كتاب الله وما سألته إلا ليدعوني، فما دعاني.

ثم مرَّ بي عمرُ بنُ الخطاب فسألتهُ عن آيةٍ؛ فلم يدعُني أيضاً حتى مرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فعرف ما بي من الجوعِ فقال: ( أبو هريرة؟! )

قلت: لبّيكَ يا رسول الله، وتبِعتهُ؛ فدخلتُ معه البيتَ فوجدَ قدَحاً فيه لبنٌ، فقال لأهلهِ: ( من أينَ لكم هذا؟! )

قالوا: أرسلَ به فلانٌ إليك.

فقال: ( يا أبا هريرةِ انطلقْ إلى أهلِ الصّفّةِ "هم ضيوف الله من فقراء المسلمين ممن لا أهل لهم ولا ولد ولا مال، فكانوا يجلسون على صفة في مسجد رسول الله فسموا بأهل الصفة)، فادعهم ).

فساءَني إرساله إيَّايَ لِدعوَتهم، وقلتُ في نفسي: ما يفعلُ هذا اللبنُ معَ أهلِ الصفةِ؟!

وكنتُ أرجو أن أنالَ مِنه شربة أتقوى بها، ثم أذهبَ إليهم؛ فأتيتُ أهلَ الصّفة ودعوتهُم؛ فأقبلوا، فلما جَلسوا عند رسول الله قال: ( خذ يا أبا هريرة فأعطهِم ), فجعلتُ أعطي الرجُلَ فيشربُ حتى يَروى إلى أن شرِبوا جميعاً؛ فناولتُ القدحَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعَ رأسه إلي مُبتسماً وقال: ( بقيتُ أنا وأنْت ).

قلت: صَدقت يا رسول الله.

قال: ( فاشرب )، فشربتُ.

ثم قال: ( اشربْ )، فشربتُ...

وما زال يقول: اشَرب، فأشربُ حتى قلت: والذي بَعثكَ بالحقّ لا أجدُ له مَساغاً ( لا أستطيع ابتلاعه )...

فأخذَ الإناءَ وشربَ من الفضلةِ....

 

* * *

لم يمض زمنٌ طويلٌ على ذلك حتى فاضتِ الخيراتُ على المسلمين وتدفقت عليهم غنائمُ الفتح؛ فصارَ لأبي هريرة مالٌ، ومنزلٌ ومتاعٌ، وزوجٌ وولدٌ ...

غير أنَّ ذلك كله لم يُغير من نفسِه الكريمةِ شيئاً، ولم يُنسِه أيامَه الخالية؛ فكثيراً ما كان يقول:

نشأتُ يتيماً، وهاجرتُ مسكيناً، وكنتُ أجيراً لبُسرَةَ بنتِ غزوانَ بطعام بَطني، فكنتُ أخدمُ القومَ إذا نزلوا، وأحْدو -أسوق إبلهم- لهم إذا ركبوا؛ فزوّجنيها الله -إشارة إلى زواجه من بسرة التي كان يخدم عندها-....

فالحمدُ لله الذي جعلَ الدِّينَ قواماً ( نظامه وعماده ) وصيَّر أبا هريرة إماماً ( إشارة إلى ولايته على المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ).

 

* * *

وقد وّلي أبو هريرة المدينةَ من قبل معاوية بن أبي سفيانَ أكثر من مرَّة، فلم تبدِّل الولاية من سَماحة طبعهِ، وخفةِ ظله ( كناية عن عذوبة روحه ) شيئاُ ..

فقد مرَّ بأحدِ طرقِ المدينة ( وهو والٍ عليها ) وكان يحمِلُ الحطبَ على ظهرِه لأهل بيته، فمرَّ بثعلبة بنِ مالكٍ، فقال له: أوسعِ الطريقَ للأمير يا بنَ مالكٍ، فقال له: يرحمك الله أما يكفيكَ هذا المجال كله؟!

فقال له: أوسعِ الطريق للأميرِ، وللحُزمةِ التي على ظهرِه.

 

* * *

وقد جمعَ أبو هريرةَ إلى وفرةِ علمهِ وسماحةِ نفسِه التّقى والورعَ؛ فكان يصومُ النهارَ، ويقومُ ثلثَ الليلِ، ثم يوقظ زوجته فتقومُ ثلثه الثاني ثم توقظ هذه ابنتها فتقومُ ثلثه الأخير...

فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوالَ الليلِ...

 

* * *

وقد كانت لأبي هريرة جاريةٌ زنجيةٌ ( من بلاد الزنج، وهم قوم من السودان ) فأساءتْ إليه، وغمت أهلهُ، فرفعَ السوط عليها ليضربَها به، ثم توقفَ، وقال: لولا القصَاصُ يوم القيامة لأوجعتك كما آذيتنا، ولكنْ سأبيعُك ممن يُوفيني ثمنكِ وأنا أحوجُ ما أكونُ إليه...

اذهبي فأنتِ حُرة لله عزّ وجلَّ...

 

* * *

وكانتِ ابنته تقول له: يا أبتِ إنّ البنات يُعيرنني؛ فيقلنَ: لم لا يُحليك أبوكِ بالذهب؟!

فيقول: يا بُنية، قولي لهنَّ: إن أبي يخشى عليَّ حرَّ اللهب ( أي حر لهب جهنم ).

 

* * *

ولم يكن امتناعُ أبي هريرة عن تحليةِ ابنته بخلاَ بالمالِ أو حرصاً عليه؛ إذ كان جواداً سخيّ اليدِ في سبيل الله.

فقد بعثَ إليه مروانُ بنُ الحكم مائة دينارٍ ذهباً، فلما كان الغد أرسلَ إليه يقول: إن خادميِ غلِط فأعطاك الدنانيرَ، وأنا لم أرِدك بها، وإنما أردتُ غيرك، فسُقِط ( تحير وندم ) في يدِ أبي هُريرة وقال: أخرجتها في سبيلِ الله ولم يبتْ عندي منها دينارٌ؛ فإذا خرجَ عطائي ( حقي في بيت المال ) فخذها منه.

وإنّما فعلَ ذلك مروانُ ليختبره، فلما تحرّى الأمرَ وجَدَه صحيحاً.

 

* * *

وقد ظلَّ أبو هريرة ( ما امتدَّت به الحياةُ ) برَّاً بأِمه، فكان كلما أرَادَ الخروجَ من البيت وقفَ على بابٍ حجرتها وقال: السلامُ عليك يا أمَّتاه ورحمة الله وبركاته.

فتقول: وعليك السّلامُ يا بنيَّ ورحمة الله وبركاته.

فيقول: رَحمكِ الله كما ربّيتني صغيراً.

فتقول: ورحمك الله كما بَرَرتني كبيراً.

ثم إذا عادَ إلى بيته فعل مثلَ ذلك.

 

* * *

وقد كان أبو هُريرة يَحرصُ أشدَّ الحرصِ على دعوة الناسِ إلى برِّ آباِئهم، وصِلةِ أرحامهم.

فقد رأى ذات يومٍ رجلينِ أحدهما أسنُّ ( أكبر سنناً ) من الأخرِ يمشِيان معاً، فقال لأصغرِهما:

ما يكون هذا الرَّجلُ منك؟

قال: أبي.

فقال له: لا تسمِّه باسمِه... ولا تمشِ أمامَه... ولا تجلِس قَبله...

 

* * *

ولما مَرضَ أبو هُريرة مرضَ الموتِ بكى...

فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟!

فقال: أما إنّي لا أبكي على دنياكم هذه.... ولكنَني أبكي لبُعد السَّفر وقلة الزادِ...

لقد وقفتُ في نهاية طريقٍ يُفضي بي إلى الجنةِ أو النارِ...

ولا أدري ... في أيِّهما أكون !!

وقد عاده مروانُ بنُ الحكم فقال له: شفاكَ الله يا أبا هُريرة.

فقال: اللهُمَّ إني أحبُّ لقاءك فأحبَّ لقائي وعجِّل لي فيه...

فما كاد يغادر مروانُ داره حتى فارقَ الحياة...

 

* * *

رحمَ الله أبا هُريرة رحمةً واسعةً؛ فقد حفِظ للمسلمين ما يَزيدُ على ألفٍ وستمائةٍ وتسعةٍ من أحاديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وجزاه عن الإسلامِ والمُسلمين خيراً

سراقة بن مالك








 

* هَبتْ قُريشٌ ذاتَ صَباحٍ وجلة مذعورة. فقد سرى في أنديتها أن محمدا قد بارح مكة مستتراً بجُنح الظلامِ؛ فلم يُصدق زعماءُ قريشٍ النبأ...

واندفعُوا يبحثونَ عن النبيِّ في كلِّ دارٍ من دور بني هاشم....

وينشدونَه في كل بيتٍ من بيوتِ أصحابهِ، حتى أتوا منزلَ أبي بكرٍ، فخرَجتْ إليهم ابنتهُ أسماءُ.

فقال لها أبو جهلٍ: أين أبوك يا بنتُ؟

فقالت: لا أدري أينَ هو الآن.

فَرفعَ يدهُ ولطمَ خدّها لطمة أهوَت بقرطِها ( أسقطت حلقها وجعلتها تهوي هويا ) على الأرض.

 

* * *

- جُن جُنونُ زعماءِ قريشٍ حين أيقنوا أن محمدً غادرَ مكة، وجَندوا كل من لديهِم من قفاة ( متتبعو الأثر ) الأثرِ لتحديدِ الطريقِ الذي سلكهُ، ومَضوا معهم يبحثونَ عنه.

فلما بَلغوا غار ثورٍ قال لهم قفاةُ الأثرِ: والله ما جاوزَ صاحبُكم هذا الغارَ.

ولم يكنْ هؤلاءِ مخطئينَ فيما قالوه لقريشٍ، فقد كان مُحمدٌ وصاحبُه في داخلِ الغارِ، وكانت قريش تقفُ فوق رأسيهما، حتى إنَّ الصِّديقَ رأى أقدامَ القوم تتحرك فوق الغارِ؛ فدمعت عيناه.

فنظرَ إليه الرسولُ نظرةَ حُبٍ ورفقٍ وعتابٍ.

فهمسَ الصديقُ قائلاً: والله ما على نفسي أبكي..

ولكن مَخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله.

فقال له الرسولُ الكريمُ مطمئناً: ( لا تحزن يا أبا بكرٍ، فإن الله مَعنا ).

فأنزل الله السكينة على قلبِ الصّدّيقِ، وراح ينظرُ إلى أقدامِ القوم. ثم قال: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحَدهُم نَظر إلى مَوطئ قدميه لرآنا.

فقال له الرسول: ( ما ظنُّك يا أبا بكرٍ باثنين، الله ثالثهُما؟!! )

وهنا سمعنا فتىً من قريشٍ يقول لِلقومِ: هَلمّوا ( تعالوا ) إلى الغارِ نَنظر فيه.

 

* * *

- فقال له أمية بنُ خلفٍ ساخراً: ألم ترَ إلى هذا العنكبُوت الذي عَششَ على بابِه؟!!.

والله إنه أقدم من ميلادِ محمدٍ...

غير أن أبا جهلٍ قال: واللاتِ والعُزى: إني لأحسبُه قريباً مِنا يسمعُ ما نقول ويرى ما نُصنع.

ولكنَّ سحرهُ رانَ ( غطى ) على أبصارِنا..

 

* * *

- بَيد أنًّ قريشاً لم تنفض يَدها من أمرِ العثورِ على محمدٍ، ولم ينثن عَزمُها عن مُلاحقتهِ؛ فأعلنت في القبائلِ المنتشرةِ على طولِ الطريق بينَ مكة والمدينة: أن من يأتها بِمحمدٍ حياً أو ميتاً فلهُ مائةٌ من كرائمِ الإبلِ.

 

* * *

- كان سُراقة بنُ مالكٍ المدلجيُّ في نَدِيّ ( مكان اجتماع القوم ) من أنديةِ قومه في " قديد " قريباً من مكة.

فإذا برسولٍ من رُسُل قريشٍ يدخل عليهم، ويذيعُ فيهم نبَأ الجائزةِ الكبرى التي بذلتها قريشٌ لمن يأتيها بِمحمدٍ حياً أو ميتاً.

فما كاد سُراقة يسمعُ بالنُّوقِ المائة حتى اشرأبّت ( تطلعت ) إليها أطماعُهُ، واشتدَّ عليها حرصُه.

ولكنه ضبَط نفسهُ، فلم يَفه بكلمةٍ واحدةٍ؛ حتى لا تتحرَك أطماعُ الآخرين.

وقبل أن ينهضَ سُراقة من مجلسِه دخل على النّديِّ رجلٌ من قومه وقال: والله لقد مرَّ بي الآن ثلاثة رجالٍ، وإني لأظنهمْ محمداً وأبا بكر ودليلهما.

فقال سُراقة: بل هم بنو فلانٍ مضوا يبحثونَ عن ناقةٍ لهم أضَلوها ( أضاعوها ).

فقال الرجل: لعلهُم كذلك وسَكتَ....

ثم مكثَ سُراقة قليلاً حتى لا يُثير قيامُه أحدا مِمن في الندي...

فلما دَخلَ القومُ في حديثٍ آخر انسَلّ ( انسحب برفق وخفة ) من بينهم، ومضى خفيفاً مُسرعاً إلى بيته، وأسَرّ ( أمرها سرا ) لِجاريتهِ بأن تخرجَ له فرسه في غفلة من أعين الناس وأن تربطه له في بطن الوادي.

وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه , وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد.. وأن يجعله في مكان قريب من الفرس..

 

* * *

- لبسَ سُراقة لامَتهُ ( درعه ) وتقلدَ سِلاحه، وامتطى صهوَة فرسهِ، وطفق يغذ ( يُسرع في السير ) السيرَ ليُدركَ محمداً قبلَ أن يأخُذه أحدٌ سواه ويظفرَ بجائزةِ قريشٍ.

 

* * *

- كان سُراقة بن مالكٍ فارساَ من فرسانِ قومه المعدودين، طويل القامة، عظيمَ الهامةِ، بصيراً باقتفاءِ الأثرِ، صبوراً على أهوالِ الطرقِ.

وكان إلى ذلك كله أريباً شاعراً... وكانتْ فرسُه من عتاقِ ( الخيل الأصيل الكريمة ) الخيْل.

 

* * *

- مَضى سُراقة يطوِي الأرضَ طيّاً، لكنه ما لبثَ أن عثرتْ به فَرسهُ وسقطَ عن صهوتِها ؛ فتشاءمَ من ذلك ، وقال: ما هذا؟!!.

تباً لك من فرسٍ، وعلا ظهرها غيرَ أنه لم يَمضِ بعيداً حتى عَثرتْ به مرةٌ أخرى فازداد تشاؤماً، وهمّ بالرجوع؛ِ فما ردّهُ عم همِّه إلا طمعهُ بالنوقِ المائةِ.

 

* * *

- لم يبتعِد سُراقة كثيراً عن مكان عثورِ فرسه حتى أبصرَ محمداً وصاحبيه فمد يدَه إلى قوسِهِ، لكن يَدَه جمدتْ في مكانها...

ذلك لأنّه رأى قوائِم فرسِه تسيخُ في الأرضِ ( تغوص في الأرض ) ، والدخانُ يَتصاعدُ من بين يديها، ويُغطي عينيهِ وعينيها...

فدفع الفرسَ فإذا هي قد رَسخَتْ ( ثبتت في الأرض ) في الأرضِ كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد.

فالتفتَ إلى الرسولِ وصاحبه، وقال بصوتٍ ضارع: يا هذان ادعوا لي ربكما أن يُطلق قوائِم فرسي...

ولكما عليَّ أن أكفَّ عنكما. فدعا له الرسولُ، فأطلق اللهُ لهُ قوائمَ فرسه....

لكن أطماعَه ما لبثت أن تحركتْ من جديد، فدفعَ فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل.

فاستغاثت بهما، وقال: إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخُذاه، ولكما علي عهدُ الله أن أرُدَّ عنكما من ورائي من الناس ...

فقالا له: لا حاجَة لنا بِزادكَ ومتاعِك، ولكن رُدّ عنا الناس...

ثم دعا له الرسولُ فانطلقتْ فرسُه.

فلما همَّ بالعودةِ، ناداهُم قائلاً: تريثوا أكلمكم، فوالله لا يأتِيكم منّي شيءٌ تكرهونه.

فقالا له: ما تبتغي منا؟!

فقال: والله يا محمدُ إني لأعلمُ أنه سَيظهرُ دينُك، ويَعلو أمرك فعاهِدني إذا أتيتُكَ في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك...

فأمر الرسولُ صلوات الله عليه الصديقَ فكتب له على لوحٍ من عظمٍ، ودفعه إليه..

ولما هم بالانصرافِ قال له النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ( وكيف بكَ يا سُراقة إذا لبستَ سواريْ كِسرى؟! )

فقال سراقة في دَهشة: كسرى بنُ هرمُز؟!!

فقال: ( نعم.... كسرى بنُ هرمز ).

 

* * *

- عاد سراقة أدراجه، فوجَدَ الناس قد أقبلوا ينشدون رسولَ الله صلوات الله عليه فقال لهم: ارجعوا ، فقد نَفضتُ الأرض نفضاً بحثاً عنه ( نظرت فيها شبرا شبرا ).

وأنتم لا تجهلوا مبلغَ بصري بالأثر، فرجعُوا.

ثم كتم خبرهُ مع محمدٍ وصاحبه حتى أيقنَ أنهما بَلغا المدينةَ وأصبحَا في مأمنٍ من عداون قريش، عند ذلك أذاعَه فلما سمع أبو جهلٍ بخبر سُراقة مع النبي عليه الصلاة والسلام وموقفه منه ؛ لامه على تخاذلِه وجُبنه وتفويته الفرصة...

فقال يُجيبه على ملامته:

أبا حَكم ، والله لو كنتَ شاهداً     لِأمر جوادي إذ تسوخ قوائمهْ

علِمت ولم تَشكك بأنَّ محمداً   رسولٌ ببرهانٍ ، فمَن ذا يُقاومه؟!!

 

* * *

- دارتِ الأيامُ دورتها...

فإذا بمُحمدٍ الذي خرجَ من مكة طريداً شريداً مُستتراً بجُنح الظلامِ يعود إليها سيداً فاتحاً تحفُّ به الألوفُ المؤلفةُ من بيض السيوفِ وسمر الرماح...

وإذا بزعماء قريشٍ الذين ملأوا الأرض عُنجهيةً وغطرسةً ( تكبرا وتجبرا وتطاولا ) يُقبلونَ عليه خائفين واجفين يسألونه الرأفة ويقولون: ماذا عسَاكَ تصنع بنا؟!!

فيقول لهم في سماحةِ الأنبياء: ( اذهبُوا فأنتمُ الطلقاء... )

عند ذلك أعَدَّ سراقة بن مالكٍ راحلتهُ، ومضى إلى رسول الله ليعلنَ إسلامه بين يديه ومعه العهد الذي كتبه له قبل عشرِ سنواتٍ.

قال سراقة: لقد أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بالجِعرانةِ ( مكان بين مكة والطائف وهو إلى مكة أقرب )، فدخلتُ في كتيبتهِ من الأنصارِ، فجعلوا يقرعونني ( يضربونني ) بِكعوبِ الرماح ( مؤخرت الرماح ) ويقولون: إليكَ، إليكَ ( ابتعد، ابتعد )، ماذا تريد؟!

فما زلتُ أشق صفوفهم حتى غدوتَ قريباً من رسول الله، وهو على ناقته فرفعتُ يدي بالكتاب وقلت: يا رسول الله...

أنا سراقة بن مالكٍ،... وهذا كتابُك لي...

فقال الرسولُ عليه الصلاة والسلام: ( أدنُ مني يا سراقة أدنُ... هذا يومُ وفاءٍ وبرٍّ )

فأقبلتُ عليه وأعلنت إسلامي بين يديه.

ونلتُ من خيره وبرِّه....

 

* * *

- لم يمضِ على لقاءِ سراقة بن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير بضعةِ أشهرٍ حتى اختار الله نبيه إلى جِوارِه....

فحزنَ عليه سُراقة أشد الحزن، وجعلَ يتراءى له ذلك اليومُ الذي همَّ فيه بقتله من أجل مائة ناقةٍ، وكيف أن نوق الدنيا كلها قد أصبحت اليوم لا تساوي عنده قلامةً ( القطعة الصغيرة التي تسقط في الظفر ) من ُظفر النبيِّ.

وجعل يُردد قولته له: ( كيف بِك يا سراقة إذا لِبستَ سواري كسرى؟! )

دون أن يخامرَه شك في أنه سيلبسُهما.

 

* * *

- ثم دارتِ الأيام دورتها كرةً أخرى وآل أمرُ المسلمين إلى الفاروقِ رضوانُ الله عليه.

وهبت جيوشُ المسلمين في عهدِه المبارك على مملكة فارس كما يهُبُّ الإعصار...

فطفقت تدكُّ الحصونَ، وتهزم الجيوشَ، وتهزُّ العروش وتحرز الغنائم حتى أدالَ ( أزالها وحولها إلى غيرهم ) الله يديها دَولة الأكاسرَة...

وفي ذاتِ يومٍ من أواخرِ أيامِ خلافة عمر قدمَ على المدينة رسُل سعدِ بن أبي وقاصٍ يبشرون خليفة المسلمين بالفَتح....

ويحملونَ إلى بيتِ مالِ المسلمين خمُس الفيءِ الذي غنِمه الغزاةُ في سبيل الله.

فلما وُضعتِ الغنائمُ بين يديْ عُمر نظرَ إليها في دهشةٍ....

فقد كان فيها تاجُ كِسرى المُرصعُ بالدُّرِّ....

وثيابه المنسوجة بخيوطِ الذهبِ...

ووشاحُه ( قلادة من نسيج يرصع بالجوهر ويشد بين الكتف وأسفل الظهر ) المنظومُ بالجوهر...

وسواراه اللذان لم ترَ العينُ مثلهما قط...

وما لا حَصرَ له من النفائِس الأخرى...

فجعل عمر يُقلبُ هذا الكنز الثمين بقضيبٍ كان في يده..

ثم التفت إلى من حَوله وقال: إن قوماً أدّوا هذا لأمناءُ...

فقال له عليُّ بن أبي طالب وكان حينئذٍ حاضراً: إنك عففتَ فعفتْ رعيتك يا أمير المؤمنين..

ولو رتعتَ لرتعوا ( لو أكلت لأكلوا )....

وهنا دعا الفاروقُ رضوان اللهِ عليه سراقة بن مالكٍ، فألبسهُ قميصَ كسرَى وسراويله وقِباءه ( الثوب ) وخُفّيه ...

وقلدَه سيفه ومنطقَته ( حزام يشد على الوسط )...

ووضع على رأسِه تاجَه...

وألَبسهُ سواريهِ.... نعم سِواريه...

عند ذلك هتفَ المسلمونَ: الله أكبر... الله أكبر.... الله أكبر...

ثم التفت عمرُ إلى سراقة وقال: بَخٍ بَخٍ ( كلمة تقال عند التعجب من شيء أو الفخر به )....

أعَيرابيٌ ( تصغير أعرابي ) من بني مدلجٍ على رأسِه تاج كسرى... وفي يديه سوراه..!!

ثم رفعَ رأسَه إلى السماء وقال: اللهمَّ إنك منعتَ هذا المالَ رسولك وكان أحب إليك مني وأكرَم عليك.....

ومنعتهُ أبا بكرٍ وكان أحبَّ إليك منِّي وأكرم عليك...

وأعطيتنيه، فأعوذُ بك أن تكونَ قد أعطيتنيه لِتمكرَ بي ( لتعاقبني )....

ثم لم يقمْ من مجلسِه حتى قسمَه بينَ المسلمين


0 التعليقات: