اعلن معنا

صور من حياة الصحابة 12-11 ( أبوعبيدة بن الجراح )0 + عبدالله بن جحش



أبوعبيدة بن الجراح



* كان وضيء الوجه، بهيّ الطلعة، نحيل الجسم، طويل القامة، خفيف العارضين، ترتاح العين لمرآه، وتأنس النفس للقياه، ويطمئن إليه الفؤاد.

وكان إلى ذلك رقيق الحاشية، جمّ التواضع، شديد الحياء، لكنه كان إذا اشتد الأمر وجد الجِدّ يغدو كأنّه الليث عادياً.

فهو يشبه نصل السيف رونقا وبهاء، ويحكيه ( أي يماثله ) حدّة ومضاء.

ذلك هو أمين أمة محمد، عامر بن عبد الله بن الجراح الفهريّ القرشي، المكنّى بأبي عبيدة.

نعته عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: ثلاثة من قريش أصبح الناس وجوهاً، وأحسنها أخلاقا، وأثبتها حياءً، إن حدثوك لم يَكْذِبُوك وإن حدثتهم لم يُكذِّبوك: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفّان وأبو عبيدة بن الجراح.

* * *

- كان أبو عبيدة من السابقين الأولين إلى الإسلام، فقد أسلم في اليوم التالي لإسلام أبي بكر، وكان إسلامه على يدي الصديق نفسه، فمضى به وبعبد الرحمن بن عوف وبعثمان بن مظعون وبالأرقم بن أبي الأرقم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلنوا بين يديه كلمة الحق، فكانوا القواعد الأولى التي أقيم عليها صرح الإسلام العظيم.

 

* * *

- عاش أبو عبيدة تجربة المسلمين القاسية في مكّة منذ بدايتها إلى نهايتها، وعانى مع المسلمين السّابقين من عنفها وضراوتها وآلامها وأحزانها مالم يعانيه أتباع دين على ظهر الأرض؛ فثبت للإبتلاء، وصدق الله ورسوله في كل موقف.

لكنَّ محنة أبي عبيدة يوم بدر فاقت في عنفها حسبان الحاسبين وتجاوزت خيال المتخيلين.

 

* * *

- انطلق أبو عبيدة يوم بدر يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الردى، فهابه المشركون، ويجول جولة من لا يحذر الموت، فحذره فرسان قريش وجعلوا يتنحون عنه كلما واجهوه...

لكن رجلا واحدا منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه؛ فكـان أبو عبيدة يتحرّف عن طريقه ويتحاشى لقاءه.

ولجّ الرجل في الهجوم، وأكثر أبو عبيدة من التنحي، وسد الرجل على أبي عبيدة المسالك، ووقف حائلاً بينه وبين قتال أعداء الله.

فلما ضاق به ذرعا ضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين؛ فخّر الرجل صريعا بين يديه.

لا تحاول - أيها القارئ الكريم – أن تخمّن من يكون الرجل الصريع..

أما قلت لك: إن عنف التجربة فاق حسبان الحاسبين، وجاوز خيال المتخيلين؟

ولقد يتصدع رأسك إذا عرفت أن الرجل هو عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة.

 

* * *

- لم يقتل أبو عبيدة أباه، وإنما قتل الشرك في شخص أبيه.

فأنزل الله سبحانه في شان أبي عبيدة وشأن أبيه قرآنا فقال علت كلمته: { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } المجادلة:22.

 

* * *

- لم يكن ذلك عجيبا من أبي عبيدة، فقد بلغ في قوّة إيمانه بالله ونصحه لدينه، والأمانة على أمة محمد مبلغا طمحت إليه نفوس كبيرة عند الله.

- حدّث محمد بن جعفر، قال: قدِم وفد من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا ليحكم بيننا في أشياء من أموالنا اختلفنا فيها، فإنكم عندنا معشر المسلمين مرضيون.

- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين ).

- قال عمر بن الخطّاب: فرحت إلى صلاة الظهر مبكرا، وإني ما أحببت الإمارة حُبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحب هذا النعت...

فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، جعل ينظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يقلب بصره فينا حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: ( اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه )، فقلت: ذهب أبو عبيدة.

 

* * *

- ولم يكن أبو عبيدة أمينا فحسب، وإنما كان يجمع القوّة والأمانة، وقد برزت هذه القوة في أكثر من موطن:

برزت يوم بَعَث الرسول جماعة من أصحابه ليتلقوا عيرا لقريش، وأمر عليهم أبا عبيدة رضي الله عنهم وعنه، وزودهم جرابا من تمر، لم يجد لهم غيره، فكان أبو عبيدة يعطي الرجل من أصحابه كل يوم تمرة، فيمصها الواحد منهم كما يمص الصبي ضرع أمه، ثم يشرب عليها ماء؛ فكانت تكفيه يومه إلى الليل.

 

* * *

- وفي يوم أحد حين هزم المسلمون وطفق صائح المشركين ينادي: دلوني على محمد... دلوني على محمد... كان أبو عبيدة أحد العشرة الذين أحاطوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ليذودوا عنه ( أي ليدافعوا عنه ) بصدورهم رماح المشركين.

فلما انتهت المعركة كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد كسرت رباعيته ( الرباعية هي السن التي بين الثنية والناب ) وشج جبينه وغارت في وجنته حلقتان من حلق درعه، فأقبل عليه الصديق يريد انتزاعهما من وجنته فقال له أبو عبيدة: أقسم عليك أن تترك ذلك لي، فتركه، فخشي أبو عبيدة إن اقتلعهما بيده أن يؤلم رسول الله، فعض على أولاهما بثنيته ( الثنية جمع ثنايا وهي أسنان مقدم الفم ) عضاً قوياً محكما فاستخرجها ووقعت ثنيته...

ثم عض على الأخرى بثنيته الثانية فاقتلعها فسقطت ثنيته الثانية...

قال أبو بكر: ( فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هَتَماً ) " والأهتم هو من انكسرت ثنيتاه ".

 

* * *

- لقد شهد أبو عبيدة مع رسول الله صلوات الله عليه المشاهد كلها منذ صحبه إلى أن وافاه اليقين. فلما كان يوم السقيفة ( المراد به يوم بيعة أبي بكر رضي الله عنه، فقد تمت بيعته في سقيفة بن ساعدة ) ، قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة: ابسط يدك أبايعك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن لكل أمة أمينا، وأنت أمين هذه الأمة ).

فقال أبو عبيدة: ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمّنا في الصلاة فأمّنا حتى مات.

ثم بويع بعد ذلك لأبي بكر الصديق، فكان أبو عبيدة خير نصيح له في الحق، وأكرم معوان له على الخير.

ثم عهد أبو بكر بالخلافة من بعده إلى الفاروق فدان له أبو عبيدة بالطاعة، ولم يعصه في أمر، إلا مرة واحدة.

فهل تدري ما الأمر الذي عصا فيه أبو عبيدة أمر خليفة المسلمين؟!

لقد وقع ذلك حين كان أبو عبيدة بن الجراح في بلاد الشام يقود جيوش المسلمين من نصر إلى نصر حتى فتح الله على يديه الديار الشامية كلها...

فبلغ الفرات شرقا وآسيا الصغرى شمالاً.

عند ذلك دهم بلاد الشام طاعون ما عرف الناس مثله قط فجعل يحصد الناس حصدا...

فما كان من عمر بن الخطاب إلا أن وجّه رسولا إلى أبي عبيدة برسالة يقول فيها: إني بدت لي إليك حاجة لا غنى لي عنك فيها، فإن أتاك كتابي ليلا فإني أعزم عليك ألا تصبح حتى تركب إليّ، وإن أتاك نهارا فإني أعزم عليك ألا يمسي حتى تركب إليّ، فلما أخذ أبو عبيدة كتاب الفاروق قال: قد علمت حاجة أمير المؤمنين إلي، فهو يريد أن يستبقي من ليس بباق، ثم كتب إليه يقول: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين ولا أجد بنفسي رغبة عن الذي يصيبهم... ولا أريد فراقهم حتى يقضي الله فيَّ وفِيهِم أمره... فإذا أتاك كتابي هذا فحللني من عزمك، وائذن لي بالبقاء.

فلما قرأ عمر الكتاب بكى حتى فاضت عيناه، فقال له من عنده ( لشدة ما رأوه من بكائه ): أمات أبو عبيدة يا أمير المؤمنين؟

فقال: لا، ولكن الموت منه قريب.

ولم يكذب ظن الفاروق، إذ ما لبث أبو عبيدة أن أصيب بالطاعون، فلما حضرته الوفاة أوصى جنده فقال: إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحجوا واعتمروا، وتواصوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تغشوهم ولا تلهكم الدنيا، فإن المرء لو عُمِّر ألف حول ما كان له بُدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون...

والسلام عليكم ورحمة الله.

ثم التفت إلى معاذ بن جبل وقال: يامعاذ، صلِّ بالناس.

ثم مالبث أن فاضت روحه الطاهرة، فقام معاذ وقال: أيها الناس: إنكم قد فجعتم برجل , والله ما أعلم أني رأيت رجلا أبرّ صدرا ولا أبعد غائلة ( الغائلة جمع غوائل وهي الشر والحقد الباطن ) ولا أشدّ حبا للعاقبة ولا أنصح للعامّة منه، فترحموا عليه يرحمكم الله.






 عبدالله بن جحش



الصحابيّ الذي نسوق عنه الحديث الآن وثيق الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وواحد من أصحاب الأوليات في الإسلام.

فهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن أمه أميمة بنت عبد المطلب كانت عمة النبي عليه الصلاة والسلام.

وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن أخته زينب بنت جحش كانت زوجة النبي الكريم، وإحدى أمهات المؤمنين.

وهو أول من عُقد له لواء في الإسلام... وهو بعد ذلك أّول من دعي أمير المؤمنين.

إنه عبد الله بن جحش الأسديّ.

* * *

أسلم عبد الله بن جحش، قبل أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام دار الأرقم، فكان من السابقين إلى الإسلام.

ولمّا أذن النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فراراً بدينهم من أذى قريش، كان عبد الله بن جحش ثاني المهاجرين إذ لم يسبقه إلى هذا الفضل إلا أبو سلمة.

على أن الهجرة إلى الله، ومفارقة الأهل والوطن في سبيله، لم تكن أمرا جديدا على عبد الله بن جحش، فقد هاجر هو وبعض ذويه قبل ذلك إلى الحبشة.

لكنّ هجرته هذه المرّة كانت أشمل وأوسع، فقد هاجر أهلُه وذووه، وسائر بني أبيه رجالاً ونساءً، وشيباً وشباناً وصبية وصبيات، فقد كان بيته بيت إسلام، وقبيلُه قبيل إيمانٍ.

فما إن فصلوا عن مكة حتّى بدت ديارهم حزينة كئيبة، وغدت خواءً خلاءً كأن لم يكن فيها أنيس من قبلُ، ولم يسمر في ربوعها سامرٌ.

ولم يمض غير قليل على هجرةِ عبد الله ومن معه حتّى خرج زُعماءُ قريش يطوفون في أحياء مكّة، لمعرفة من رَحَل عنها من المسلمين ومن بقي منهم، وكان فيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة.

فنظر عتبة إلى منازل بني جحش تَتَنَاوح فيهـا الرياح السـافيات ( السافيات: أي التي تثير التراب ) وتخفق أبوابها خفقاً وقال: أصبحت ديار بني جحشٍ خلاءً تبكي أهلها...

فقال أبو جهل: ومن هؤلاء حتّى تبكيهم الدِّيارُ ؟!!

ثم وَضَع أبو جهل يده على دار عبد الله بن جحش، فقد كانت أجمل هذه الدور وأغناها، وجعل يتصرَّف فيها وفي متاعها كما يتصرَّفُ المالك في ملكِه.

فلمّـا بلغ عبد الله بن جحش ما صنع أبو جهل بداره، ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا ترضى ياعبد الله ، أن يعطيك الله بها دارا في الجنّة؟ ).

قال: بلى يارسول الله.

قال: ( فذلك لك ).

فطابت نفس عبد الله وقرّت عينه.

 

* * *

ما كاد عبد الله بن جحش يستقر في المدينة بعدما تكبّده من نصبٍ في هجرتيه الأولى والثانية.

وما كاد يذوق شيئاً من طعم الراحة في كنف الأنصار، بعدما ناله من أذى على يد قريش، حتّى شاء الله أن يتعرّض لأقسى امتحان عرفه في حياته، وأن يعاني أعنف تجربة لقيها منذ أسلم.

فلنرهف السمع لقصّة تلك التجربة القاسية المرّة.

 

* * *

انتدب الرسول صلوات الله عليه ثمانية من أصحابه للقيام بأول عملٍ عسكري في الإسلام، فيهم عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص وقال: ( لأؤمرن عليكم أصبركم على الجوع والعطش )، ثم عقد لواءهم لعبد الله بن جحش، فكان أول أمير أُمّر على طائفةٍ من المؤمنين.

( وروي أن أول لواء عقد في الإسلام كان لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وقيل غير ذلك ).

 

* * *

حدّد الرسول الكريم لعبد الله بن جحش وجهَتَه وأعطاه كتابا، وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين.

فلمـا انقضى على مسيرة السرية يومان نظر عبد الله في الكتاب فإذا فيه: ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل "نَخلَة" بين الطائف ومكّة، فترصَّد بها قريشاً، وقف لنا على أخبارهم...).

وما إن أتمّ عبد الله الكتاب حتّى قال: سمعاً وطاعة لنبي الله، ثم قال لأصحابه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمرني أن أمضي إلى نخلة لأرصد قريشا حتى آتيه بأخبارهم، وقد نهاني عن أن أستكره أحداً منكم على المُضي معي، فمن يريد الشهادة ويرغب فيها فليصحبني، ومن كره ذلك فليرجع غير مذموم.

فقال القوم: سمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، إنما نمضي معك حيث أمرك نبي الله.

ثم سـار القوم حتّى بلغوا نخلة وطفقوا يجوسون ( أي يدورون ويبحثون ) خلال الدروب ليترصدوا أخبار قريش.

وفيما هم كذلك أبصروا عن بعد قافلة لقريش فيها أربعة رجالٍ هم عمرو ابن الحضرميِّ، والحكم بن كسيـانَ، وعثمان بن عبد الله، وأخوه المغيرة ومعهم تجارة لقريش فيها جلود وزبيب ونحوها مما كانت تتجر به قريش.

عند ذلك أخذ الصحابة يتشاورون فيما بينهم، وكان اليوم آخر يوم من الأشهر الحرم ، فقالوا: إن قتلناهم فإنما نقتلهم في الشهر الحرام، وفي ذلك ما فيه إهدار حُرمة هذا الشهر والتعرض لسخط العرب جميعا...

الأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، وكانت العرب تحرم فيها القتال ).

وإن أمهلناهم حتى ينفض هذا اليوم دخلوا في أرض الحرم ( أي أصبح قتالهم محرما علينا بسبب دخولهم في أرض الحرم المكّي ) وأصبحوا في مأمن منا.

ومازالوا يتشاورون حتّى أجمعوا رأيهم على الوثوب عليهم وقتلهم وأخذ ما في أيديهم من غنيمة... وفي لحظات قتلوا واحد منهم وأسروا اثنين، وفرّ الرابع من أيديهم.

 

* * *

إستاق عبد الله بن جحش وصحبه الأسيرين والعير متوجهين إلى المدينة، فلمّـا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقف على ما فعلوه استنكره أشد الاستنكار، وقال لهم: ( والله ما أمرتكم بقتال، وإنما أمرتكم أن تقفوا على أخبار قريش، وأن ترصدوا حركتها...).

وأوقف الأسيرين حتّى ينظر في أمرهما... وأعرض عن العير فلم يأخذ منها شيئاً.

عند ذلك سُقِطَ في أيدي عبد الله بن جحش وأصحابه، وأيقنوا أنهم هلكوا بمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وزاد عليهم الأمر ضيقا أن إخوانهم من المسلمين طفِقوا يكثرون عليهم من اللوم، ويزورون عنهم كُلّما مرُّوا بهم ويقولون: خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ازدادوا حرجا على حرج حين علموا أن قريشا اتخذت من هذه الحادثة ذريعة للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتشهير به بين القبائل؛ فكانت تقول: إن محمدا قد استحل الشهر الحرام؛ فسفك فيه الدم، وأخذ المال، وأسر الرجال...

فلا تسل عن مبلغ حزن عبد الله بن جحش وأصحابه على ما فرط منهم، ولا عن خجلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوقعوه فيه من الحرج.

 

* * *

ولمّا اشتد عليهم الكرب وثقُل عليهم البلاء، جاءهم البشير يبشرهم بأن الله سبحانه قد رضي عن صنيعهم، وأنه أنزل على نبيّه في ذلك قرآنا...

فلا تسل عن مدى فرحتهم، وقد طفق الناس يقبلون عليهم معانقين مبشرين مهنئين وهم يتلون ما نزل في عملهم من قرآن مجيد.

 

* * *

فلقد نزل على النبي قول الله علت كلمته: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } البقرة217.

 

* * *

فلّما نزلت الآيات الكريمات طابت نفس الرسول الكريم صلوات الله عليه؛ فأخذ العير وفدى الأسيرين، ورضي عن صنيع عبد الله بن جحش وأصحابه إذ كانت غزوتهم هذه حدثا كبيرا في حياة المسلمين؛ فغنيمتها أول غنيمة اُخِذت في الإسلام، وقتيلها أول مشرك أراق المسلمون دمَه، وأسيراها أول أسيرين وقعا في أيدي المسلمين، ورايتها أول راية عقدتها يد رسول الله صلوات الله عليه، وأميرها عبد الله بن جحش أول من دُعي بأمير المؤمنين.

ثم كانت بدر فأبلى فيها عبد الله بن جحش من كريم البلاء ما يليق بإيمانه.

ثم جاءت أحد فكان لعبد الله بن جحش وصاحبه سعد بن أبي وقاص معها قصة لا تنسى، فلنترك الكلام لسعد ليروى لنا قصته وقصة صاحبه.

قال سعد بن أبي وقاص: لما كانت أحد لقيني عبد الله بن جحش وقال: ألا تدعو الله؟ فقلت: بلى.

فخلَونا في ناحية فدعوت فقلت: يارب إذا لقيت العدو فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده ( أي غضبه وثورته ) أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى اقتله وآخذ سلبه، فأمن عبد الله بن جحش على دعائي، ثم قال: اللهم ارزقني رجلا شديدا بأسه أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع انفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت: فيم جُدع انفك وأذنك؟

فأقول: فيك وفي رسولك فتقول: صدقت...

قال سعد بن أبي وقاص: لقد كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وقد قُتل ومثِّل به، وإن أنفه وأذنه لمعلقان على شجرة بخيط.

 

* * *

استجاب الله دعوة عبد الله بن جحش ، فأكرمه بالشهادة كما أكرم بها خاله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب.

فواراهما الرسول الكريم معاً في قبر واحدٍ، ودموعه الطاهرة تُروِّي ثراهما المضمخ بطيوب الشهادة.


0 التعليقات: