اعلن معنا

صور من حياة الصحابة 14- 13 نعيم بن مسعود +(خباب بن الأرت )0



---------- Forwarded message ----------
From: موج هادي <moj.hadi@hotmail.com>
Date: 2010/9/14
Subject: صور من حياة الصحابة 14- (خباب بن الأرت )0
To:


 

* مضت أمُّ أنمارٍ الخُزَاعِيَّةُ إلى سوقِ النخَّاسين ( النخاسون: بائعوا العبيد والمفرد نخاس ) في مكَّةَ.

فقد كانت تُريدُ أَن تَبتَاع لنفسِهَا غلاماً تنتفعُ بِخِدمتَه, وتَستَثمِرُ عملَ يده.

وطفِقَت تتفرَّسُ في وجوهِ ( تتأمل في وجوه العبيد ) العبيدِ المعروضين للبيعِ, فوقع اختيارُها على صَبيّ لم يَبلُغِ الحُلُمَ؛ رأت في صِحَّةِ جَسَدِهِ, ومَخايِلِ ( علامات الذكاء ) النَّجَابةِ الباديَةِ على وجهه, ما أغراها بِشرائِه, فدَفَعَت ثمنَه وانطلقَت به.

وفيما هما في بَعضِ الطريقِ التَفَتت أُمُّ أنمارٍ إلى الصَّبِّي وقالت: ما اسمُك يا غلام ؟

قال: خَبّاب.

فقالت: وما اسمُ أبيك ؟

قال: الأَرَتُّ.

فقالت: ومن أين أنت ؟

قال: من نجد.

فقالت: إذن أنت عربي!!

قال: من بني تميم.

قالت: وما الذي أوصَلَكَ إلى أيدِي النخاسين في مكة ؟!!!

قال: أغارَت على حَيِّنا قبيلةٌ من قبائِلِ العَرَبِ, فاستاقَتِ الأنعامَ وسَبَتِ النِّساءَ, وأخذتِ الذراريَ, وكنتُ فيمن أُخِذَ من الغِلمانِ, ثم ما زالَت تَتَداولُنِي ( انتقل من يد إلى أخرى ) الأيدي حَتّى جيءَ بي إلى مكةَ, وصِرتُ في يَدِك.

دفعت أم أنمارٍ غلامَها إلى قَينٍ ( الحداد وجمعه القيون ) من قُيونِ مكَّةَ لِيُعلِّمَه صناعةَ السُّيوف, فما أسرَع أن حَذقَ ( أتقن الصنعة ) الغُلامُ الصنعة وَتَمكَّنَ منها أحَسنَ تَمَكُّنٍ.

ولَمّا اشتدَّ ساعِدُ خَبّاب وصَلُبَ عودُه ( كنايتان عن قوته ) استأجرت له أمُّ أنمارٍ دكَّاناً واشتَرَت له عُدَّةً وجَعَلت تَستَثمِرُ مهارَتَه في صُنعِ السيوف.

 

* * *

- لم يمض غيرُ قليل على خبابٍ حتى شُهِر في مَكَّةَ وجَعَلَ الناسُ يُقبلون على شراءِ سُيوفِه لِما كان يَتَحلّى به من الأمَانَةِ والصدقِ وإتقانِ الصًّنعَةِ.

 

* * *

- وقد كان خبّابٌ على الرُّغمِ من فَتَائه يَتَحلّى بعقل الكَلمَلَةِ ( الكاملون ), وحِكمةِ الشيوخ...

وكان إذا ما فَزَعَ من عَمَلِه وخَلا إلى نَفسِه كَثيراً ما يُفَكِّرُ في هذا المُجتَمَعِ الجاهِليِّ الذي غَرِقَ في الفَسادِ من أَخمَصِ ( أسفل قدميه ) قدميه إلى قِمةِ رأسه.

ويهولُه ما رانَ ( غطى ) على حياةِ العربِ من جَهالةً جَهلاءَ, وضلالَةٍ عَميَاءَ, كَانَ هو نفسُه أحَدَ ضَحايَاها ....

وكان يقول: لا بُدَّ لهذا الليلِ من آخر ....

وكان يَتَمنّى أنْ تمتدَّ بِه الحياةُ لِيرَى بعينيه مَصْرَعَ الظلامِ ومَولِدَ النورِ.

 

* * *

- لم يَطُل انتظارُ خَبَّابٍ كثيراً فقد تَرامَى إليه خيطاً من نورٍ قد تألَّق من فمِ فتىً من فِتيانِ بني هاشم يدعَى محمدَ بنَ عبدِ اللهِ.

فَمَضى إليه, وسَمِعَ منه ، فَبَهرهُ لأْلاؤه, وغَمرَه سناه.

فَبَسَطَ يَدَه إليه وشَهِدَ أنْ لا الهَ إلّا الله وأن مُحَمَّداً عبدُه رسولُه.

فكان سادِسَ سِتَّةٍ أسلموا على ظهرِ الأرضِ حَتّى قيل: مَضى على خَبّابٍ وقتُ وهو سُدُسُ الإسلامِ ....

 

* * *

- لم يكتُم خبّابٌ إسلامَه عن أحدٍ, فما لَبِثَ أن بلغَ خَبَرهُ أمَّ أَنمارٍ, فاستَشاطَت غَضَباً وغيظاً, وَصَبحت أخاها سباعَ بنَ عبدِ العُزَّى, ولَحِقَ بهما جماعَةٌ من فِتيانِ خُزاعَةَ, ومضوا جميعاً إلى خَبّابٍ فوجده مُنهَمكِاً في عَملِهِ ...

فأَقبَل عليهِ سِباعٌ وقال: لقد بَلَغَنَا عنك نَبآٌ لم نُصَدّقه.

فقال خبابٌ: وما هو؟

فقال سِباعٌ: يُشاعُ أَنَّك صَبأتَ ( كفرت وخرجت عن دينك ) وتَبِعت غُلامَ بني هاشم.

فقال خبابُ ( في هدوء ): ما صَبَأتُ, وإنّما آمنتُ باللهِ وحدَه لا شريك له ...

وَنَبذتُ أصنامكم ( طرحت أصنامكم ) وشَهِدتُ أن محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه ....

فما إنْ لامَسَت كلماتُ خَبابٍ مَسامِعَ "سِبَاعٍ " ومن مَعَه حتّى انهالوا عليه, وجَعَلوا يضربونَه بأيديهم, ويَركُلونَه بأقدامهم ويَقذِفونَه بما يَصِلون إليه من المطارِق وقطع الحديد ..

حتى هَوى إلى الأرضِ فاقِدَ الوعي والدِّماءُ تنزِفُ منه ...

سَرى في مَكَّةَ خبرُ ما جَرى بينَ خَبّابٍ وسَيدتِه سريانَ النار في الهَشِيمِ ( النبات اليابس )!!!!

وذَهَلَ الناسُ من جَراءة خَبابٍ إذ لم يكونوا قد سَمِعُوا ( من قبلُ ) أنَّ أحَداً اتَّبَعَ محمداً ووقف بينَ الناس يُعلِن إسلامَه بمثل هذه الصّراحَةِ والتحِدّي.

واهتَزَّ شيوخُ قريشٍ لأمر خَبابٍ ... فما كان يخطر على بالِهم أن قِيناً كقين أمِّ أنمارٍ لا عَشيرَةَ له تَحميه ولا عَصبِيَّة تَمنعُه وتُؤويه تَصِل به الجُرأة إلى أَن يَخرُج على سُلطانِها ويَجهرَ بِسَبِّ آلِهتِها ويُسِفه دينَ آبائها وأجدادها.... وأَيقنت أن هذا يِومٌ له ما بَعدَه ...

ولم تَكن قريشٌ على خطأ فيما تَوقَّعتهُ, فلقد أَغرَت جُرأةُ خبّاٍب كثيراً من أصحابهِ بأن يُعلِنوا إسلامَهم, فطَفِقوا يَصدَعون ( يجرون ويعلنون ) بكلمةِ الحقِّ واحداً بعد آخَر ...

 

* * *

- اِجتمع سادَةُ قريش عند الكعبةِ, وعلى رأسِهم أبو سفيانَ بنُ حربٍ, والوليدُ بنُ المغيرَةَ, وأبو جهل بنُ هشامٍ وتذاكروا في شأنِ محمدٍ, فرأَوا أن أمرَه أخَذَ يزداد ويَتفاقَمُ ( يتعاظم ويزداد ) يوماً بعد يومٍ, وساعَةً إثرَ ساعةٍ ...

فعزموا على أن يَحسِموا الداء قبل اسِتفحالِهِ ( يستأصلونه قبل اشتداده ) , وقرروا أن تثِبَ كُلُّ قبيلةٍ على من فيها من أتباعِه, وأن تنكِّل ( تذيقهم أشد العذاب ) بهم حتّى يَرتدّوا عن دينهم أو يموتوا ... وقد وَقعَ على سباعِ بنِ عبدِ العُزَّى وقومِه عِبءُ تَعذيبِ خبَّاب..

فكانوا إذا اشتدَّت الهاجِرةُ ( شدة القيظ في منتصف النهار ) وغَدت أَشِعَّةُ الشمسِ تُلهِبُ الأرض إلهاباً أخرجوه إلى بَطحاءِ مكَّة, ونَزعوا عنه ثيابَه, وألبَسُوه دروعَ الحديدِ, ومنعوا عنه الماءَ حتى إذا بَلغَ منه الجُهدُ كُلَّ مَبلغٍ أقبلوا عليه وقالوا:  ما تقول في محمدٍ ؟

فيقول: عبدُ الله ورسولهُ جاءَنا بدين الهُدى والحقِّ ليُخرجنَا من الظُّلماتِ إلى النور..

فيوسعونه ضَرباً ولكماً, ثم يقولون له: وما تقولُ في اللَّات والعُزَّى؟!

فيقول: صنمان أصَمَّان أبكَمان لا يَضُران ولا ينفعان ...

فيأتون بالحِجارة المحمِيَّةِ ويُلصقونها بِظهره ويُبقونها عليه حتى يسيلَ دُهنُ كتفيه...

 

* * *

- ولم تكن أمُّ أنْمارٍ أقلَّ قسوةً على خبَّابٍ من أخيها سباعٍ فقد رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمرُّ بدُكانِه, ويُكلمُه فجُنَّ جنونُها لما رأتْ ( طار صوابها وثارت ثائرتها ).

وأخَذت تجيء إلى خَبًّاب يوماً بعد يومٍ فتأخذ حديدةً محمِيةً من كِيرِه ( منفاخ موقد الحداد ويراد به الموقد نفسه ) وتضعُها على رَأسه حتى يدخِّن رأسه ويُغمى عليه ...

وهو يدعو عليها وعلى أخيها سباعٍ.

 

* * *

- ولما أَذِنَ الرسولُ صلوات الله عليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة تَهيَّأ خبابٌ للخروجِ.

غير أنًّه لم يُبارح ( يغادر ) مكًّةَ إلا بعد أن استجابَ الله دعاءَه على أمِّ أنمارٍ...

فقد أُصيبت بِصُداعٍ لم يُسمع بمثلِ آلامِهِ قطُّ, فكانت تعوِي من شدَّة الوجَعِ كما تّعوي الكلابُ....

وقام أبناؤها يستطبون ( يبحثون لها عن الأطباء ) لها في كلِّ مكان , فقيل لهم: إنه لا شفاءَ لها من أوجاعها إلا إذا دَأبَتْ على كَيِّ رأسِها بالنار ....

فجعلت تَكوي رأسها بالحديدِ المَحميِّ ؛ فتَلقى من أوجاعِ الكيِّ ما يُنسيها آلامَ الصُّداع ...

 

* * *

- ذاقَ خبَّاب في كَنفِ الأنصارِ في المدينةِ طَعمَ الراحةِ التي حُرِم منها دهراً طويلاً, وقرَّت عينُه بِقُرب نبيِّه صلواتُ الله وسلامُه عليه دونَ أن يكدِّرَه مكدِّرٌ أو يُعكِّرَ صفوَه مُعكرٌ ...

وشهِدَ مع النبي الكريم بدراً ، وقاتل تحت رايتِه ... وخرجَ معه إلى أحد فأقَرَّ الله عينه برؤية سِباعِ بن عبدِ العُزَّى أخي أمِّ أنمارٍ وهو يلقَى مصرَعَه على يَدِ أسَدِ الله حَمزة بن عبد المُطَلب ...

 

* * *

- وامتدَّت به الحياةُ حتى أدرَك خلفاءَ رسولِ الله الراشدين الأربعة. وعاش في رِعايتهم جليلَ القدرِ نَبِيه الذِّكرِ ...

 

* * *

- ودَخلَ ذات يوم على عمرَ بن الخطابِ في خِلافته, فأعلَى عمرُ مَجلِسَه, وبالَغَ في تَقريبه وقال له: ما أَحدٌ أحقَّ منك بهذا المجلس غير بلالٍ .

ثم سألَه عن أشدِّ ما لقِي من أذى المُشركين, فاستحيا أنْ يجيبَه ...

فلمَّا ألحَّ عليه أزاحَ رداءهُ عن ظهرِه, فَجفِلَ ( نفر مما رأى ) عمرُ مما رأى, وقال: كَيف صار ذلك ؟!

فقالَ خبَّاب: أوقَدَ المشركون لي حطباً حتى أصبحَ جمراً ...

ثم نزعوا عنِّي ثيابي, وجعلوا يجُرونني عليه, حتى سقَطَ لحمي عن عظامِ ظَهري, ولم يُطفئ النَّار إلا الماءُ الذي نَزَّ من ( تحلب وتقاطر ) جَسدي .....

 

* * *

- اِغَتنى خبَّابٌ في الشّطر الأخيرِ من حياته بعد فقرٍ, وملك ما لم يمكن يَحلُم به من الذّهب والفضة...

غير أنهُ تصَرفَ في مالِه على وجهٍ لا يَخطُرُ ببال أحدٍ ...

فقد وَضعَ دراهِمه ودنانيره في موضعٍ من بيته يعرفُه ذوو الحاجات من الفقراء والمساكين.

ولم يَشدُدْ عليه رِباطاً ( لم يخبئه ) , ولم يُحكِم عليه قفلاً, فكانوا يأتون داره ويأخذون منه ما يشاؤون دونَ سؤالٍ أو استئذانٍ ...

ومع ذلك فقد كان يخشى أن يُحاسب على ذلك المالِ, وأن يعذب بسببه.

 

* * *

- حَدّثْ جمَاعةٌ من أصحابِه قالوا: دخلنا على خبابٍ في مرَضِ موته فقال:  إن في هذا المكان ثمانين ألفَ درهمٍ, والله ما شددتُ عليها رباطاً قطُّ, ولا مَنَعتُ منها سائلاً قطُّ ثم بَكى ..

فقالوا: ما يُبكيكَ ؟!!

فقال: أبكي لأنَّ أصحابي مضوا ولم ينالوا من أجورِهم في هذه الدنيا شيئاً, وأنني بقيتُ فنِلت من هذا المالِ ما أخافُ أن يكونَ ثواباً لتلك الأعمال...

* * *

- ولما لحق خَبابٌ بجوار ربِّه وقف أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب رَضيَ الله عنه على قبره وقال: رَحِمَ الله خباباً, فلقد أسلَمَ راغباً, وهاجَرَ طائِعاَ, وعاش مجاهداً...

ولَن يُضيعَ اللهُ أجرَ من أحسَنَ عملاً.



نعيم بن مسعود




 

* نُعَيْمُ بنُ مَسعودٍ فتىً يَقِظُ الفؤادِ أَلمعيُّ الذكَّاءِ خَرَّاجٌ وَلاّجٌ ( خراج ولاج: كثير المداخل والمخارج وذلك علامة على ذكائه ودهائه ), لا تَعوقُه مُعضِلةٌ ولا تُعجِزُهُ مُشكلَة.

يُمَثِّلُ ابنَ الصحراءِ بِكُلِّ ما حَبَاهُ اللهُ من صِحة الحَدْسِ ( صِحةُ التقدير والظن ) وسُرعةِ البديهةِ وشدُّة الدهاء ... ولكِنَّه صاحِبَ صَبوَةٍ ( صاحبَ رغبةٍ في المتع واللذات ) وخدين ( رفيقٌ وصديق ) متعةٍ كان يَنشُدُهما أكثرَ ما يَنشُدُهما عند يهودِ يَثربَ.

فكان كلَّما تاقت نَفسُه لِقَينةٍ ( أي لمغنية ) أو هفا سمعهُ لِوَتَرٍ شدَّ رحالَه من منازل قَومِه في نجد, ويَمَّمَ وجهه شطرّ المدينةِ حيث يَبذُلُ المالَ ليهودِها بسخاءٍ ليبذُلوا له المِتعَةَ بسخاءٍ أكثر...

ومن هنا فقد كان نُعيمٌ كثيرَ التردٌّدِ على يثربَ, وثيقَ الصِّلةِ بمن فيها من اليهودِ, وخاصَّة بني قُرَيَظةَ.

 

* * *

ولما أكرم اللهً الإنسانيةَ بإرسالِ رَسولِه بدينِ الهُدى والحَقِّ, وسطَعَت شِعابُ مكةَ بنورِ الإسلام؛ كان نُعيم بن مسعودٍ ما يزال مُرخياً للنفسِ عِنانَها ( مرخيا للنفس عنانها: تاركا النفس على هواها ) ...

فأعرضَ عن الدين الجديدِ أشدَّ الإعراضِ خوفاً من أن يحولَ دونَه ودونَ مِتعِه ولذاتِه.

ثم ما لَبِثَ أن وجد نفسَه مسوقاً إلى الانضمامِ إلى خصومِ الإسلامِ الألِدَّاءِ, مدفوعاً دفعاً إلى إشهارِ السيفِ في وجهِهِ.

* * *

لكنَّ نعَيمَ بنَ مسعودٍ فَتَحَ لِنَفسِه يومَ غزوةِ الأحزابِ صفحَةً جديدةً في تاريخ الدعوةِ الإسلاميةِ, وخطَّ في هذه الصفحة قِصّةً جديدةً في تاريخ الدعوة الإسلاميةِ, وخَط َّ في هذه الصفحة قِصّةً من روائعِ قِصَصِ مكايدِ الحروبِ ..

قِصةً ما يزال يرويها التاريخُ بكثير من الانبِهارِ بفُصولها المُحكمةِ, والإعجابِ ببطلها الأريبِ اللبيب.

 

* * *

ولِتقِفَ على قصةِ نُعيمِ بن مسعودٍ لابدَّ لك من الرجوع إلى الوراء قليلاً.

فقُبيلَ غزوةِ الأحزاب بقليلٍ هبت طائفةٌ مِن يهودِ بني النُّضيرِ في يثرب, وطفِقَ زعماؤها يُحزِّبون الأحزابَ لحربِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام والقضاءِ على دينهِ ...

فقدِموا على قريشٍ في مكةَ, وحرَّضوهم ( حثوهم وزينوا لهم ) على قتالِ المسلمين, وعاهدوهم على الانضمامِ إليهم عندَ وصولهم إلى المدينةِ, وضربوا لذلك موعداً لا يُخلِفونَه.

ثم تركوهم وانطلقوا إلى غَطفانَ في "نجد" فأثاروهم ضدَّ الإسلام ونبيِّه, ودعوهُم إلى استئصالِ الدينِ الجديد من جُذوره, وأسَرُّوا إليهم بما تمَّ بينهم وبين قريشٍ, وعاهدوها, وآذنوهُمْ ( أعلموهم ) بالمَوعِدِ المُتَّفق عليه.

 

* * *

خرجت قريشٌ من مكةَ بقضِّها وقضيضها ( أي جميعها ) وخَيلِها ورجلِها بقيادّة زعيمِها أبي سفيانَ بنِ حربٍ مُتّجهةُ شطرَ المدينةِ.

كما خرجت غطفانُ من نجدٍ بعُدَّتها وعديدها بقيادة عُيَيْنَهَ بن حِصْنٍ الغَطَفَاني.

وكان في طليعةِ رجالِ غطفانَ بطلُ قِصَّتِنا نُعَيمُ بنُ مَسْعودٍ ...

فلما بلغ الرسولَ صَلواتُ اللهِ عليه نبأُ خروجِهم جَمَع أَصْحَابَه وشاوَرَهم في الأمر, فقرَّ قرارهم على أَنَّ يَحْفِروا خَنْدقَاً حول المدينةِ ليَصُدُّوا عنها هذا الزَّحفً الكبيرَ الذي لا طاقًةً لها بِهِ, ولِيَقفَ الخندقُ في وجهِ الجيشِ الكثيفِ الغَازِي.

 

* * *

ما كادّ الجيشان الزَّاحِفانِ من مكَّةَ ونجدً يقتربان من مشارِفِ المدينة..

حتى مَضَى زعماءُ يهود بني النُّصير إلى زعماء يهود بني قُريْظَةَ القاطنين في المدينة, وجعلوا يحرِّضون على الدُّخول في حربِ النبيِّ, ويحُضُّونَهم على مُؤازرةِ الجيشين القادمين من مكَّةَ ونجدٍ.

فقال لهم زعماءُ بني قُريظةَ !: لقد دَعوتُمُونا إلى ما نُحِبُّ ونبغي, ولكنكم تعلمون أَّنَّ بيننا وبينَ محمدِ ميثاقاً على أن نُسالِمه ونوادِعَه لِقاءَ أن نعيش في المدينة آمنين مُطمَئِنِّين وأنتم تدرون أنَّ مِدادَ ميثاقِنا معه لم يَجِفَّ بعد ...

ونحن نَخشى إذا انتصَرَ محمدُ في هذه الحربِ أن يبطشَ بنا بَطشةً جبّارَةً وأن يَستأصلنا من المدينة استِئصالاً جَزاءَ غَدرنا بِه ...

لكن زعماءَ بني النضير ما زالوا يُغرونَهُم بنقضِ العهدِ ويُزيِّنون لهم الغَدرَ بمحمدٍ, ويؤكد لهم بأنَّ الدائِرَةَ ستدور عليه في هذه المرَّةِ لا محاَلَةَ.

ويشدُّون عزمهم بقدوم الجيشين الكبيرين.

فما لَبِثَ يهود بني قُريظةَ أن لانوا لهم ونقضوا عَهدهُم مع الرسولِ صلواتُ الله وسلامُه عليه..

ومزَّقوا الصحيفة التي بينهم وبينَه ... وأعلنوا انضمامَهم إلى الأحزاب في حَربهِ ..

فوقع الخَبَرُ على المسلمين وقوعَ الصاعقة ..

 

* * *

حاصَرَت جيوشِ الأحزابِ المدينَةَ وقطعَت عن أهلِها الميرَة ( الميرة: الطّعام والمؤنة ) والقوت.

وشَعَرَ الرسولُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه أنّه وَقَعَ بين فَكّي العدوِّ ...

فقريشٌ وغطفان معسكران قبالَةَ المسلمين في خارج المدينة ...

وبنو قُرَيظَةَ مُتربِّصون مُتَأهِّبونَ خَلفَ المسلمين في داخل المدينة ....

ثم إنَّ المنافقين والذين في قلوبهم مَرضٌ أَخذَوا يكشِفون عن مُخَبّآتِ نفوسهم ويقولون:  كانَ محمدٌ يّعدنا بأن نملك كنوز كسرى وقيصر وها نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه أن يذهب إلى بيت الخلاء لقضاء الحاجة !

ثم طفقوا ينفضون ( يتفرقون ) عن النبي جماعة إثر جماعة بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وببيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة إذ نشب القتال, حتى لم يبقى مع الرسول سوا بضع ( البضع من الثلاثة إلى التسعة ) مئات من المؤمنين الصادقين.

وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام قريبا من عشرين يوم لجأ الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى ربه, وجعل يدعوه دعاء المضطر ويكرر في دعائه قوله: ( اللّهُمَّ إني أنْشُدُك عَهدَك ووعْدَك .. اللُّهُمَّ إني أنْشُدُك عهدك ووعدك .. ).

 

* * *

كان نُعَيمُ بنَ مسعود في تلك الليلةِ يَتَقلَّبُ على مِهادِه ( فراشه ) أرِقاً كأنما سُمِّرَ ( ثُبتا بالمسامير ) جَفناه فما يَنطبِقان لنومٍ, فجعل يَسْرَح يبصرِه وراءَ النجومِ السابحةِ على صفحة السماءِ الصافيةِ ... ويطيلُ التفكير ... وفجأةً وَجدَ نَفسَه تُسائِلُه قائلةً: 

وَيحَكَ يا نُعَيمُ !! ما لذي جاءَ بك من تلك الأماكنِ البعيدة في نجد لحربِ هذا الرجل ومن معه ؟!

إنَّك لا تُحاِربُهُ انتصاراً لِحقٍّ مسلوبٍ أو حَميَّةً لِعرضٍ مغصُوبٍ, وإنما جئتَ تحارِبهُ لغيرِ سببٍ معروفٍ .. أيليقُ برجلٍ له عقلٌ مثلُ عقلك أن يقاتلَ فيقتُل أو يُقتَل لِغيرِ سببٍ ؟!

وَيحَكَ يا نُعَيمُ .. ما الذي يجعلك تُشهِرُ سيفَك في وجه هذا الرجلِ الصالح الذي يأمر أتباعه بالعدل والإحسانِ وإيتاِء ذي القُربى ؟!!

وما الذي يَحملُك على أُنْ تغمِسَ رُمحك في دماءِ أصحابِه الذين اتَّبعُوا ما جاءهُم بهِ من الهُدى والحَقِّ ؟!!

ولم يَحْسِمْ هذا الحوارَ العنيفَ بَينَ نُعيمٍ ونفسِه إلا القرارُ الحازِمُ الذي نَهَضَ من تَوِّه ( من لحظته ) لتنفيذِه.

 

* * *

تَسَلَّلَ نُعيمُ بن مسعود من مُعسكرِ قومه تحتَ جُنحِ الظلامِ ومضى يَحُثُّ الخُطا ( يسرع في خطاه ) إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ..

فلما رآه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام ماثِلاً بينَ يَديه قال: ( نُعيمُ بنُ مسعودٍ ؟! ).

قال: نَعم يا رسول الله.

قال: ( ما الذي جاء بك في هذه الساعةِ ؟!! ).

قال: جئت لأشهدَ أنْ لا إلهَ إلًّا الله, وأنَّك عبدُ اللهِ ورسولُه, وأنّ ما جئت به حقٌّ ...

ثم أرْدَف يقول: لقد أسلمتُ يا رسول الله وإن قومي لم يَعلموا بإسْلامي ...

فَمُرْني بما شئتَ ..

فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ( إنما أنت فينا رجُل واحدٌ ... فاذهب إلى قومكَ وخذِّل عنا "ضعْضِعْ همة عدونا وأوهن قوته" إن استطعت, فإنَّ الحربَ خُدعةٌ ...).

فقال: نعم يا رسول الله ... وسَترى ما يَسُرُّك إن شاء الله.

 

* * *

مضى نٌعيمُ بن مسعود من تَوِّه إلى بني قُريظة, وكان لهم ( من قَبْلُ ) صاحب ورفيقاً ...

وقال لهم: يا بني قُريظةَ, لقد عَرفتم وُدِّي لكم وصِدقي في نُصحِكُمْ.

فقالوا: نعم, فما أنْتَ عِندنا بِمتّهمٍ ...

فقال: إن قريشاً وغطَفاَنَ لهم في هذه الحربِ شأنٌ غير شأنِكمْ.

فقالوا: وكيف ؟!

فقالوا: أنتم هذا البلدُ بلدُكم, وفيه أموَالكم وأبناؤكم ونساؤكم وليس بِوُسعكُم أن تُهجِروه إلى غيره ..

أما قريشٌ وغطفانُ فَبلدهم وأموالهم وأبناؤهم ونساؤهم في غيرِ هذا البلد ...

وقد جاءوا لِحربِ محمد, ودعوكُم لِنقضِ عهدهِ ومُناصرتِهم عليهِ فأجبتموهم.

فإن أصابُوا نجاحاً في قتالهِ اغتنموه, وإن أخفقوا في قهرِه عادوا إلى بلادهم آمنين, وتركوكم له, فينتقم منكم شرَّ انتقامٍ ...

وأنتم تعلمون أنّكم لا طاقة لكم به إذا خلا بكم ...

فقالوا: صَدقت, فما الرّأُيُ عندكَ ؟!

فقال: الرأُي عندي ألا تُقاتلوا معهُم حتى تأخُذوا طائفةً من أشرافِهمْ وتجعلوهم رهائِن عندكم وبذلك تَحملونَهُم على قتالِ محمدٍ معكم إلى أنْ تنتصروا عليه أو يَفنى أخرُ رجل مِنكم ومِنهم ...

فقالوا: أشَرتَ .. ونَصَحْتَ ...

ثم خرج من عِندهم وأتى أبا سفيانَ بنَ حربٍ قائدَ قريشٍ وقال له ولمن معه: يا مَعشرَ قريش, لقد عَرفتُمْ وُدِّي لكم وعداوتي لمحمد ...

ولقد بلغني أمرٌ فرأيتُ حقّاً عليّ أن أُفضِي به إليكم, نُصحاً لكم أن تكتموه, ولا تذيعوه عَنِّي ...

فقالوا لك علينا ذلك ...

فقال: إن بني قُريظةَ ندمُوا على مُخاصمتِهم لمحمدٍ, فأرسَلوا إليه يقولون: إنّا قد نَدِمنا على ما فَعلنا ... وعَزمنا على أن نعُود إلى معاهدَتك ومُسالمتِك.

فهل يرضيكَ أن نأخُذ لك من قريشٍ وغطفان رجالاً كثيراً من أشرافِهِم, ونُسلِمهُم إليك لتضرب أعناقُهم ...

ثم ننضمَّ إليك في محاربتهم حتى تقضِي عليهم. فأرسَل إليهم يقول: نعم ....

فإن بعثت اليهود تطلب منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم أحد ...

فقال أبو سفيان: نعم الحليف أنت .... وجزيت خيراً ...

ثم خرجَ نعيم من عندِ أبي سُفيان ومضى حتّى أتى قومَه غطفانَ, فحدَّثهم بِمثلِ ما حدّثَ به أبا سُفيانَ, وحذّرهم من ما حذّره منه.

 

* * *

أراد أبو سفيان أن يختبر بني قُريظةَ فأرسلَ إليهم ابنه فقال لهم: إن أبي يُقرئُكم السلامَ ويقولُ لكم: إنه قد طال حِصارُنا لمحمد وأصحابه حتى مَلِلنَا ....

وإنّنا قد عَزمنا على أن نقاتل محمدً ونفرغ منه ... وقد بعثني أبي إليكم ليدعوكُم إلى مُنازلَتِه غداً.

فقالوا له: إنّ اليومَ يوم سبتٍ, ونحن لا نعملُ فيه شيئاً ثُم إننا لا نقاتلُ معكم حتى تُعطونا سبعينَ من أشرافكُم وأشرافِ غطفان ليكونوا رهائِن عندنا.

فإننا نخشى إن اشتدَّ عليكم القتالُ أن تُسرعوا إلى بلادكُم وتترُكونا لمحمدٍ وحدنا ...

وأنتم تعلمون أنّه لا طاقةَ لنا بِه ...

فلما عاد ابنُ أبي سفيان إلى قومِه وأخبرهم بما سَمعه من بني قريظة قالوا بِلِسانٍ واحدٍ: خسِئَ أبناءُ القردة والخنازير ... واللهِ لوا طلبوا منا شاةً رهينةً ما دفعنا إليهم ...

نَجح نعيمُ بن مسعود في تمزيقِ صفُوف الأحزابِ, وتفريق كلِمتهِم ...

وأرسل الله على قريشٍ وأحلافها ريحاً صَرْصَراً عاتيةً جعلتْ تقتلِع خيامهُم, وتَكفأ قُدورهم ( أي تقلب قدورهم ), وتطفِئُ نيرانهم وتصفعُ وجوههم, وتملأ عيونهم تراباً... فلم يجدوا  مفراً من الرّحيل ... فَرحلوا تَحت جُنحِ الظلامِ ...

ولمّا أصبحَ المسلمون ووجدوا أعداء الله قد وَلّوْا مُدبِرين جعلوا يهتِفون: الحَمْدُ لله الذي نصَرَ عَبدَه .... وأعَزّ جُنده ... وهزمَ الأحزابَ وَحده...

 

* * *

ظَلًّ نعيمُ بن مسعود بعد ذلك اليومِ موضع ثقةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فَوَليَ له الأعمالَ, ونهضَ له بالأعباء, وحَملَ بين يديه الرّاياتِ.

فلما كان يومُ فتحِ مكةَ وقف أبو سفيان بنُ حربٍ يستعرض جيوشَ المسلمين, فرأى رجلاً يحملُ راية غطفانَ, فقال لمن معه: من هذا ؟!

فقالوا: نعيم بن مسعودٍ ...

فقال: بئس ما صنعَ بنا يوم الخندَق ... والله لقد كان من أشدِّ الناسِ عداوةً لمحمد ... وها هو يحمل راية قومه بين يديهِ .. ويَمضي لِحربنا تَحت لوائِه ...


0 التعليقات: