اعلن معنا

صور من حياة الصحابة 16-15 ( أبو أيوب الأنصاري )0 + عمرو بن الجموح



---------- Forwarded message ----------
From: موج هادي <moj.hadi@hotmail.com>
Date: 2010/9/15
Subject: صور من حياة الصحابة 16- ( أبو أيوب الأنصاري )0
To:




 

* هذا الصحابي الجليل يدعى خالد بن زيد بن كليب ، من بني النجار. أما كنيته فأبو أيوب ، وأما نسبته فإلى الأنصار.

ومن منا معشر المسلمين لا يعرف أبا أيوب الأنصاري !

فقد رفع الله في الخافقين ذكره ، وأعلى في الأنام قدره حين اختار بيته من دون بيوت المسلمين جميعا لينزل فيه النبي الكريم لمّا حل في المدينة مهاجراً ، وحسْبه بذلك فخراً.

ولنزول الرسول صلوات الله عليه في بيت أبي أيوب قصّة يحلو تردادها ويلذ تكرارها.

ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حين بَلغ المدينة تلقته أفئدة أهلها بأكرم ما يتلقى به وافد...

وتطلعت إليه عيونهم تبثه شوق الحبيب إلى حبيبه...

وفتحوا له قلوبهم ليحل منها في السويداء...

وأشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعز منزل.

لكن الرسول صلوات الله عليه ، قضى في قباء من ضواحي المدينة أياما أربعة ، بنى خلالها مسجده الذي هو أول مسجد أسس على التقوى.

ثم خرج منها راكبا ناقته، فوقف سادات يثرب في طريقها، كل يريد أن يظفر بشرف نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ....

وكانوا يعترضون الناقة سيدا إثر سيد، ويقولون: أقم عندنا يارسول الله في العَدَدِ والعُدَدِ والمَنَعَةِ.

فيقول لهم: ( دعوها فإنها مأمورة ).

وتظل الناقة تمضي إلى غايتها تتبعها العيون، وتحف بها القلوب...

فإذا جازت منزلا حزن أهله و أصابهم اليأس، بينما يشرق الأمل في نفوس من يليهم.

وما زالت الناقة على حالها هذه، والناس يمضون في إثرها، وهم يتلهفون شوقا لمعرفة السعيد المحظوظ حتى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيوب الأنصاري، وبركت فيها ...

لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينزل عنها...

فما لبثت أن وثبت وانطلقت تمشي، والرسول مرخ لها زمامها، ثم ما لبثت أن عادت أدراجها وبركت في مبركها الأول.

عند ذلك غمرت الفرحة فؤاد أبي أيوب الأنصاري، وبادر إلى رسول الله صلوات الله عليه يرحب به، وحمل متاعه بين يديه، وكأنما يحمل كنوز الدنيا كلها ومضى به إلى بيته.

 

* * *

- كان منزل أبي أيوب يتألف من طبقة فوقها عُلِّيَّة ، فأخلى العُلِّيةَ من متاعه ومتاع أهله لينزل فيها رسول الله ...

لكن النبي عليه الصلاة والسلام آثر عليها الطبقة السفلى، فامتثل أبو أيوب لأمره، وأنزله حيث أحب.

ولما أقبل الليل، وأوَى الرسول صلوات الله عليه إلى فراشه، صعد أبو أيوب وزوجه إلى العُلِّيَّةِ وما إن أغلقا عليهما بابها حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته وقال: ويحك، ماذا صنعنا؟ أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل، ونحن أعلى منه.

أنمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنصير بين النبي والوحي إنا إذن لهالكون. وسُقِطَ في أيدي الزوجين وهما لا يدريان ما يفعلان. ولم تسكن نفسهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العلية الذي لا يقع فوق رسول الله صلى الله عليه و سلم، والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف متباعدين عن الوسط.

فلما أصبح أبو أيوب؛ قال للنبي عليه الصلاة والسلام: والله ما أُغمِضَ لنا جفن في هذه الليلة لا أنا ولا أُم أيوب.

فقال عليه الصلاة والسلام: ( ومم ذاك يا أبا أيوب ).

قال: ذكرت أني على ظهر بيت أنت تحته، وأني إذا تحركت تناثر عليك الغبار فآذاك، ثم إني غدوت بينك وبين الوحي.

فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ( هون عليك يا أبا أيوب، إنه أرفق بنا أن نكون في السفل ، لكثرة من يغشانا من الناس ).

قال أبو أيوب: فامتثلت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت لنا جرة وأُريق ماؤها في العلية، فقمت إلى الماء أنا وأم أيوب، وليس لدينا إلا قطيفة كنا نتخذها لحافا، وجعلنا ننشف بها الماء خوفا من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما كان الصباح غدوت إلى الرسول صلوات الله عليه، وقلت: بأبي أنت وأمي، إني أكره أن أكون فوقك، وأن تكون أسفل مني، ثم قصصت عليه خبر الجرة، فاستجاب لي، وصعد إلى العلية، و نزلت أنا وأم أيوب إلى السُّفلِ.

 

* * *

- أقام النبي عليه الصلاة و السلام في بيت أبي أيوب نحواً من سبعة أشهر، حتى تم بناء مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها الناقة، فانتقل إلى الحُجُراتِ التي أقيمت حول المسجد له ولأزواجه، فَغَدا جارا لأبي أيوب ، أكرِم بهما من متجاورين.

 

* * *

- أحب أبو أيوب رسول الله صلوات الله عليه حبا ملك عليه قلبه ولبه، وأحب الرسول الكريم أبا أيوب حباً أزال الكلفة فيما بينه وبينه، وجعله ينظر إلى بيت أبي أيوب كأنه بيته.

 

* * *

- حدَّث ابن عباس قال: خرج أبو بكر رضي الله عنه بالهاجرة ( أي في نصف النهار ) إلى المسجد فرآه عمر رضي الله عنه، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة ؟

قال: ما أخرجني إلا ما أجد من شدة الجوع.

فقال عمر: وأنا والله ما أخرجني غير ذلك.

فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما أخرجكما هذه الساعة ).

قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من شدة الجوع.

قال عليه السلام :( وأنا – والذي نفسي بيده – ما أخرجني غير ذلك ، قوما معي ).

فانطلقوا فأتوا باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله كل يوم طعاماً، فإذا أبطأ عنه ولم يأت إليه في حينه أطعمه لأهله.

فلما بلغوا الباب خرجت إليهم أم أيوب، وقالت: مرحبا بنبي الله وبمن معه، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( أين أبو أيوب ) فسمع أبو أيوب صوت النبي - وكان يعمل في نخل قريب له - فأقبل يسرع، وهو يقول: مرحبا برسول الله وبمن معه، ثم أتبع قائلاًَ: يانبي الله ليس هذا بالوقت الذي كنت تجيء فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: ( صدقت )، ثم انطلق أبو أيوب إلى نخيله فقطع منه عِذْقاً ( العذق: غصن له شعب ) فيه تمر ورطب وبُسره ( البسرة: ما لم يكتمل نضجه ).

فقال عليه الصلاة وللسلام: ( ما أردت أن تقطع هذا ، ألا جنيت لنا من تمره ).

قال: يارسول الله أحببت أن تأكلا من تمره ورطبه وبسره ، ولأذبحن لك أيضا.

قال: ( إن ذبحت فلا تذبحن ذات لبن ).

فأخذ أبو أيوب جديا فذبحه، ثم قال لامرأته: اعجني واخبزي لنا، وأنت أعلم بالخبز، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه، وعمد إلى نصفه الثاني فشواه، فلما نضج الطعام ووُضِع بين يدي النبي وصاحبيه، أخذ الرسول قطعة من الجدي ووضعها في رغيف، وقال: ( يا أبا أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام ).

فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خبز، ولحم، وتمر، وبُسر، ورطب!!! )..

ودمعت عيناه ثم قال: ( والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، فإذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فيه فقولوا: بسم الله، فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل ).

ثم نهض الرسول صلوات الله عليه، وقال لأبي أيوب: ( ائتنا غدا ).

وكان عليه الصلاة والسلام لا يصنع له أحد معروفا إلا أحب أن يجازيه عليه؛ لكن أبا أيوب لم يسمع ذلك.

فقال له عمر رضوان الله عليه: إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تأتيه غدا يا أبا أيوب.

فقال أبو أيوب: سمعا وطاعة لرسول الله.

فلما كان الغد ذهب أبو أيوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاه وليدة كانت تخدمه، وقال له : ( استوص بها خيرا يا أبا أيوب فإنا لم نر منها إلا خيرا ما دامت عندنا ).

 

* * *

- عاد أبو أيوب إلى بيته ومعه الوليدة؛ فلما رأتها أم أيوب قالت: لمن هذه يا أبا أيوب!.

قال: لنا... منحنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقالت: أعظم به من مانح وأكرم بها من منحة.

فقال: وقد أوصانا بها خيرا.

فقالت: وكيف نصنع بها حتى ننفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: والله لا أجد لوصية رسول الله بها خيرا من أن أعتقها.

فقالت: هديت إلى الصواب ، فأنت موفق.... ثم أعتقها.

 

* * *

- هذه بعض صور حياة أبي أيوب الأنصاري في سلمه فلو أتيح لك أن تقف على بعض صور حياته في حربه لرأيت عجبا....

فقد عاش أبو أيوب رضي الله عنه طول حياته غازيا حتى قيل: إنه لم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون منذ عهد الرسول إلى زمن معاوية إلا إذا كان منشغلا عنها بأخرى.

وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية جيشا بقيادة ابنه يزيد، لفتح القسطنطينية وكان أبو أيوب انذاك شيخا طاعنا في السن يحبو نحو الثمانين من عمره فلم يمنعه ذلك من أن ينضوي تحت لواء يزيد، وأن يمخر عباب البحر غازيا في سبيل الله.

لكنه لم يمض غير قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال، فجاء يزيد ليعوده وسأله: ألك من حاجة يا أبا أيوب.

فقال: اقرأ عني السلام على جنود المسلمين، وقل لهم: يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية، وأن تحملوه معكم، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينيه، ولفظ أنفاسه الطاهرة.

 

* * *

- استجاب جند المسلمين لرغبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكروا على جند العدو الكرة حتى بلغوا أسوار القسطنطينة وهم يحملون أبا أيوب معهم.

وهناك حفروا له قبرا و واروه فيه.

 

* * *

- رحم الله أبا أيوب الأنصاري، فقد أبى إلا أن يموت على ظهور الجياد الصافنات غازيا في سبيل الله.. وسنه تقارب الثمانين ...









عمرو بن الجموح


 

عمرو بن الجموح زعيم من زعماء يثرب في الجاهلية، وسيد بني سلمة المسود، وواحد من أجواد المدينة وذوي المروءات فيها...

وقد كان من شأن الأشراف في الجاهلية أن يتخذ كل واحد منهم صنما لنفسه في بيته، ليتبرّك به عند الغدو والرواح... وليذبح له في المواسم... وليلجأ إليه في الملمات!!!

وكان صنم عمرو بن الجموح يدعى (مناة)، وقد اتخذه من نفيس الخشب...

وكان شديد الإسراف في رعايته، والعناية به وتمضيخه بنفائس الطيب ( ضمخ الشيء بالطيب أي دهنه به ).

 

* * *

كان عمرو بن الجموح قد تجاوز الستين من عمره حين بدأت أشعة الإيمان تغمر بيوت يثرب بيتاً فبيتا على يد المبشر الأول مصعب بن عمير، فآمن على يديه أولاده الثلاثة مُعَوّذ ومعاذٌ وخلاذٌ، وترْبٌ لهم يدعى معاذ بن جبل...

وآمنت مع أبنائه أمهم هند ، وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئا.

 

* * *

رأت هند زوجة عمرو بن الجموح، أن يثرب غلب على أهلها الإسلام، وأنه لم يبق من السادة الأشراف أحد على الشرك سوى زوجها ونفر قليل معه.

وكانت تحبه وتجله، وتشفق عليه من أن يموت على الكفر، فيصير إلى النار.

وكان هو في الوقت نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدو عن دين آبائهم وأجدادهم، وأن يتبعوا هذا الدّاعية مصعب بن عمير، الذي استطاع في زمن قليل أن يحول كثيرا من الناس عن دينهم، وأن يدخلهم في دين محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال لزوجته ياهند احذري أن يلتقي أولادك بهذا الرجل (يعني مصعب بن عمير) حتى نرى رأينا فيه.

فقالت: سمعا وطاعة، ولكن هل لك أن تسمع من ابنك معاذ مايرويه عن هذا الرجل؟

فقال: ويحك، وهل صبأ معاذ عن دينه وأنا لا أعلم؟! فأشفقت المرأة الصالحة على الشيخ وقالت: كلا، ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية، وحفظ شيئا مما يقوله.

فقال: ادعوه إليّ، فلما حضر بين يديه قال: أسمعني مما يقوله هذا الرجل، فقال: { بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ {1} الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ {3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ {4} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ {6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ {7} }..

فقال: ما أحسن هذا الكلام وما أجمله ؟! أو كل كلامه مثل هذا؟!

فقال معاذ: وأحسن من هذا يا أبتاه، فهل لك أن تبايعه، فقومك جميعا قد بايعوه.

سكت الشيخ قليلا ثم قال: لست فاعلا حتى أستشير (مناة) فأنظر مايقول.

فقال له الفتى: وماعسى أن يقول مناة يا أبتاه، وهو خشب أصم لا يعقل ولا ينطق، فقال الشيخ - في حدّة -: قلت لك لن أقطع أمرا دونه.

 

* * *

ثم قام عمرو بن الجموح إلى مناة - وكانوا إذا أرادو أن يكلموه جعلوا خلفه أمرأة عجوزا، فتجيب عنه بما يلهمها إياه في زعمهم - ثم وقف أمامه بقامته الممدودة، واعتمد على رجله الصحيحة، فقد كانت الأخرى عرجاء شديدة العرج، فأثنى عليه أطيب الثناء، ثم قال: يا (مناة) لاريب أنك قد علمت بأن هذا الداعية الذي وفد علينا من مكّة لا يريد أحدا بسوء سواك...

وأنه إنما جاء لينهانا عن عبادتك... وقد كرهت أن أبايعه - على الرغم مما سمعته من جميل قوله - حتى أستشيرك، فأشر عليّ، فلم يرد عليه مناة بشيء.

فقال: لعلك قد غضبت... وأنا لم أصنع شيئا يؤذيك بعد... ولكن لا بأس، فسأتركك أياما حتى يسكت عنك الغضب.

 

* * *

كان أبناء عمرو بن الجموح يعرفون مدى تعلق أبيهم بصنمه (مناة) وكيف أنه غدا مع الزمن قطعة منه، ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه، وأن عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعا، فذلك سبيله إلى الإيمان.

 

* * *

أدلج عمرو بن الجموح مع صديقهم معاذ بن جبل إلى مناة في الليل، وحملوه من مكانه، وذهبوا به إلى حفرة لبني سلمة يرمون بها أقذارهم، وطرحوه هناك وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد، فلما أصبح عمرو دلف إلى صنمه لتحيته، فلم يجده فقال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟!

فلم يجبه أحد بشيء.

فطفق يبحث عنه داخل البيت وخارجه، وهو يُرغي ويُزبد ( كنايه عن شدة الغضب وهيجان النفس ) ويتهدد ويتوعد حتى وجده منكسا على رأسه في الحفرة، فغسله وطهره وطيّبه وأعاده إلى مكانه وقال له: أما والله لو أعلم من فعل هذا لأخزيته.

فلما كانت الليلة الثانية تعدى الفتية على (مناة) ففعلوا فيه مثل فعلهم بالأمس فلما أصبح الشيخ التمسه فوجده في الحفرة ملطخا بالأقذار، فأخذه وغسله وطيبه وأعاده إلى مكانه.

ومازال الفتية يفعلون بالصنم مثل ذلك كل يوم، فلما ضاق بهم ذرعا، راح إليه قبل منامه، وأخذ سيفه فعلّقه برأسه وقال له: يا مناة، إني والله ما أعلم من يصنع بك هذا الذي ترى، فإن كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا السيف معك، ثم أوى إلى فراشه.

 

* * *

فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد غطّ في نومه حتى هبطوا إلى الصنم، فأخذوا السيف من عنقه وذهبوا به خارج المنزل، وقرنوه إلى كلب ميت بحبل، وألقوا بهما في بئر لبني سلمة تسيل إليها الأقذار وتتجمع فيها.

فلما استيقظ الشيخ ولم يجد صنمه خرج يلتمسه فوجده منكبا على وجهه في البئر، مقرونا إلى كلب ميت، وقد سلب منه السيف، فلم يخرجه هذه المرة من الحفرة، وإنما تركه حيث ألقوه، وأنشأ يقول: والله لو كنت إلها لم تكن أنت وكلبك وسط بئر في قرن ثم مالبث أن دخل في دين الله.

 

* * *

تذوق عمرو بن الجموح من حلاوة الإيمان، ماجعله يعض بنان الندم على كل لحظة قضاها في الشرك، فأقبل على الدين الجديد بجسده وروحه، ووضع نفسه وماله وولده في طاعة الله وطاعة رسوله.

 

* * *

وما هو إلا قليل حتى كانت أحد، فرأى عمرو بن الجموح أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء أعداء الله ، ونظر إليهم غادين رائحين كأسد الشرى –الشرى ( أي أسد الغابة )، وهم يتوهجون شوقا إلى نيل الشهادة والفوز بمرضاة الله، فأثار الموقف حميته، وعزم على أن يغدو معهم إلى الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه...

فهو شيخ كبير طاعن في السن، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج، وقد عذره الله عز وجل فيمن عذرهم.

فقالوا له: يا أبانا إن الله عذرك، فعلام تكلف نفسك ما أعفاك الله منه؟!

فغضب الشيخ من قولهم أشد الغضب، وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم فقال: يانبي الله، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون ( أي يحتجون ) بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.

فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبنائه: ( دعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة...).فخلّوا عنه إذعاناً لأمر رسول الله.

 

* * *

ومن ثم اتجه إلى القبلة ورفع كفيه إلى السماء وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبا.

ثم انطلق يحيط به أبناؤه الثلاثة، وجموع كبيرة من قومه بني سلمة.

ولما حمي وطيس المعركة ( الوطيس: التنور، ووطيس المعركة أي نارها ) ، وتفرق الناس عن رسول الله صلوات الله عليه، شوهد عمرو بن الجموح يمضي في الرعيل الأول ويثب على رجله الصحيحة وثبا وهو يقول: إني لمشتاق إلى الجنة، إني لمشتاق إلى الجنة.... وكان وراءه ابنه خلاد.

 

ومازال الشيخ وفتاه يجالدان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرّا صريعين شهيدين على أرض المعركة، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات.

 

* * *

وما أن وضعت المعركة أوزارها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهداء أحد ليواريهم ترابهم، فقال لأصحابه: ( خلوهم بدمائهم وجراحهم، فأنا الشهيد عليهم ) ، ثم قال: ( ما من مسلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة يسيل دماً، اللون كلون الزعفران، والريح كريح المسك )، ثم قال: ( ادفنوا عمرو بن الجموح مع عبد الله بن عمرو، فقد كانا متحابين متصافيين في الدنيا ).

 

* * *

رضي الله عن عمرو بن الجموح وأصحابه من شهداء أحد، ونوّر لهم في قبورهم.


0 التعليقات: