اعلن معنا

صور من حياة الصحابة 18- 17 ( أم سلمة )0 ثمامة بن أثال



---------- Forwarded message ----------
From: موج هادي <moj.hadi@hotmail.com>
Date: 2010/9/17
Subject: صور من حياة الصحابة 18- ( أم سلمة )0
To: قروب الصحاف <als7af.group@gmail.com>




 

* أُم سلمة، وما أدراك ما أم سلمة ؟!

أما أبوها فسيد من سادات مخزُوم المرموقين ، وجواد من أجود العرب المعدودين ، حتّى إنه كان يُقال له: (زادُ الراكب) ، لأن الرُكبان كانت لا تتزود إلا إذا قصدت منازلَهُ أو سارت في صُحْبتِه.

وأمّا زوْجُها فعبد الله بن عبد الأسدِ أحد العشرة السابقين إلى الإسلام؛ إذ لم يُسلم قبلَه إلا أبو بكر الصديق ونفَرٌ قليل لا يبلغ أصابع اليدين عدداً.

وأمّا اسمها فهِنْد لكنّها كنِّيَت بأُم سَلَمة ، ثُم غلَبت عليها الكنية.

 

* * *

- أسلمت أم سَلمة مع زوجها فكانت هي الأخرى من السابقات إلى الإسلام أيضا وما إن شاع نبأ إسلام أم سلمة وزوجها حتى هاجت قُريش وماجت ، وجعلت تصُبُّ عليها من نكالِها ، ما يُزلزل الصُمّ الصِّلاب ، فلم يضعُفا ولم يهِنا ولم يترددا.

ولما اشتد عليهما الأذى وأذِن الرسول صلوات الله عليه لأصْحابِه بالهِجرة إلى الحبشة كانا في طلِيعة المُهاجرين.

 

* * *

- مَضت أم سَلَمة وزوْجُها إلى ديار الغُربة وخلَّفت ورائها في مكَّة بيتها الباذِخْ ، وعِزّها الشامخ ، ونسبها العريق ، مُحتسِبة ذلك كلّه عند الله ، مستقِلّةً لهُ في جنبِ مرضاته.

وعلى الرّغم ممّا لقِيته أم سلمة وصحْبُها من حمايَة النجاشي نضّر الله في الجنّة وجْهَهُ ، فقد كان الشوْقُ إلى مكّة مهبط الوَحي ، والحنين إلى رسول الله مصْدَر الهُدى يفْرِي كبِدَها وكبِد زوجها فرُياً.

ثمّ تتابعت الأخبارُ على المُهاجرين إلى أرض الحبشة بأن المسلمين في مكّة قد كثُر عددهم ، وأن إسلام حَمزة بن عبد المُطلِب ، وعُمر بن الخطّاب قد شدّ من أزرِهِم وكفّ شيئا من أذى قريشً عنهُم فعزِم فريقٌ منهم على العودة إلى مكة يحدوهم الشوق ، ويدعوهم الحنين ... فكانت أُم سلَمة في طليعة العائدين.

 

* * *

- لكن سُرعان ما اكتشف العائدون أن ما نُمِي إليهم من أخبار كان مُبالغاً فيه ، وأن الوثْبة التي وثبها المسلِمون بعد إسلام حمزة وعُمر ، قد قوبلتْ من قريش بهَجمةٍ أكبر.

فتفنن المُشركون في تعذيب المُسلمين وترويعِهِم وأذاقوهُم من بأسِهم ما لا عهْدَ لهُم به من قبل.

عند ذلك أذن الرسول صلوات الله عليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة ، فعَزمت أم سلَمة وزوجُها على أن يكونا أول المُهاجرين فِراراً بدينهما وتخلصا من أذى قُريش لكن هجرة أم سلَمة وزوجها لم تكُن سهلة ميسرة كما خيِّل لهُما ، وإنمّا كانت شاقّة مُرَّة خلَّفت ورائها مأساة تهونُ دونها كل مأساة.

فلنترك الكلام لأم سَلَمة لتروي لنا قِصَّة مأساتِها ...

فشعورها بها أشدُّ وأعمق ، وتصويرها لها أدقُّ وأبلغ.

- قالت أم سلَمة:

لما عزم أبو سلَمة على الخروج إلى المدينة أعد لي بعيراً ثمّ حملني عليه وجَعل طفلَنا سَلَمة في حجري ومضى يقود بنا البعير وهو لا يلوي على شيء.

وقبل أن نفصِل عن مكّة رآنا رجالٌ من قومِ بني مخزوم فتصَدّوا لنا وقالوا لأبي سلمة إن كُنت قد غلبتنا على نفسِك ، فما بالُ امرأتك هذه ؟!

وهي بنتُنا ، فعلامَ نترُكك تأخذها منّا وتسير بها في البلاد ؟!

ثم وثبوا عليه ، وانتزعوني منه انتزاعا.

وما إن رآهُم قوم زوجي بنو عبد الأسد يأخذونني أنا وطفلي حتّى غضِبوا أشد الغضب وقالوا: لا والله لا نترُك الولد عند صاحبتكم بعد أن انتزعتموها من صاحِبنا انتزاعا ...

فهُو ابننا ونحن أولى به.

ثُم طفِقوا يتجاذبون طفلي سلّمَة بينهم على مشهَدٍ مني حتى خلَعوا يده وأخذوه.

وفي لحظاتٍ وجدت نفسي ممزقة الشمل وحيدة فريدة: فزوجي اتجه إلى المدينة فرارا بدينه ونفسِه ...

وولدي اختطفه بنو عبد الأسد من بين يدَيّ مُحطماُ مهيضاً.

أما أنا فقد استولى عليّ قومي بنو مخزوم ، وجعلوني عندهم ..

ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني في ساعة.

ومنذُ ذلك اليوم جعلت أخرجُ كلّ غداة إلى الأبطَح فأجلِس في المكان الذي شهد مأساتي وأستعيد صورة اللحظات التي حيْلَ فيها بيني وبين ولدي وزوجي وأظَلُّ أبكي حتى يُخيِّم عليّ الليل ، وبقيت على ذلك سنة أو قريب السنة إلى أن مرّ بي رجُلٌ من بني عمِّي فرقَّ لِحالي ورحِمني وقال لبني قومه: ألا تُطلقون هذه المِسكينة !! فرّقتُم بينها وبين زوجها وبين ولدِها.

ومازال بهم يسْتَلْيُن قلوبهُم ويستَدِرُّ عطفهُم حتى قالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.

ولكن كيف لي أن ألحق بزوجي في المدينة وأترُك ولدي فِلذَة كبِدي في مكّة عند بني أسد ؟!

كيف يُمكن أن تهدأ لي لوعةُ أو ترقا لعيني عبرة وأنا في دار الهجرة وولدي الصغير في مكة لا أعرف عنه شيئا ؟!!

ورأى بعض النّاس ما أُعاني من أحزاني وأشْجانِي فرقَّت قُلوبهم لحالي ، وكلموا بني عبد الأسد بشأني واستعطفوهم عليّ فردُّوا لي ولدي سلَمة.

 

* * *

- لم أشأ أن أتريث في مكّة حتى أجد من أسافِر معَه ؛ فقد كُنت أخشى أن يحدُث ما ليس بالحُسبان فيمنعوني عن اللّحاق بزوجي لعائق ...

لذلك بادرت فأعددت بعيري ووضعت ولدي في حجري وخرجْتُ متوَجهةً نحو المدينة أُريد زوجي وما معي أحدٌ من خلق الله.

وما إن بلغت التنعيم حتى لقيت عُثمان بن طلحة فقال: إلى أين يابنت زاد الراكب فقُلتُ أريد زوجي في المدينة.

قال: أوَما معكِ أحد ؟!ّ

قلت: لا والله إلا الله وبُنيّ هذا.

قال: والله لا أتركك أبدا حتى تبلغي المدينة ثم أخذ بخِطام بعيري وانطلق يهوي به ...

فو الله ما صحِبت رجُلا من العرب قَط أكرمَ منه ولا أشرف: كان إذا بلغ منزل من المنازل ينيخُ بعيري ، ثُم يستأخرُ عني ، حتّى إذا نزلت عن ظهرِه واستويت على الأرض دنا إليه وحط عنه رحلَه ، واقتاده إلى شجرة وقيّدهُ فيها ...

ثمّ يتنحى عني إلى شجرة أخرى فيضطجع في ظلِّها فإذا حان الرّواح قام إلى بعيري فأعدَّه ، وقدَّمَهُ إليّ ثُم يستأخِرُ عني ثم يقول اركبي ، فإذا ركبت واستويتُ على البعير ، أتى فأخذ بِخِطامِه وقاده.

 

* * *

- ومازال يصنعُ بي مثلُ ذلك كل يوم حتّى بلغنا المدينة فلّما نظر إلى قرية بقُباء لبني عمرو بن عوف ، قال:  زوجك في هذه القرية ، فأدخليها على بركة الله ، ثُم انصرف راجِعاً إلى مكة.

 

* * *

- اجتمع الشملُ الشتيت بعد طول افتراق ، وقرَّت عينُ أم سلَمة بزوجِها وسعِد أبو سلمة بصاحِبته وولده ... ثم طفِقَت الأحداث تمضي سراعا كلمح البصر.

فهذه بدر يشهدها أبو سلَمة ويعود منها مع المسلمين وقد انتصروا نصراً مؤزَّرا.

وهذه أُحُد يخوضُ غِمارَها بعد بدر ، ويُبلي فيها أحسن البلاء وأكرمَه ، لكنّه يخرُج منها وقد جُرح جرحا بليغا ، فما زال يُعالجه حتى بدى له أنه قد اندمل ، لكن الجُرح كان قد رُمَّ على فسادٍ فما لبِث أن انْتَكأَ وألزم أبا سَلمَة الفراش.

وفيما كان أبا سلَمَة يَعالَج من جُرحه قال لزوجِه: يا أم سلَمة سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصيب أحداً مُصيبةٌ ، فيستَرْجع عند ذلك ويقول:

اللهم عندَك احتسبْتُ مصيبتي هذه ، اللهم اخلفني خيراً منها ، إلا أعطاه الله عزَّ وجل ...

 

* * *

- ظلّ أبو سلَمة على فراش مرضه أياما وفي ذات صباح جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لِيَعودَهُ ، فلم يَكد ينته من زيارته ويُجاوز باب دارَه حتى فارَق الحياة.

فأغمض النبي عليه الصلاة والسلام بيديه الشريفتين عيني صاحبه ، ورَفعَ طرفه إلى السماء وقال: ( اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المقرّبين , واخلُفْهُ في عَقْبِه في الغابرين ، واغفر لنا ولهم يارب العالمين , وافسح له في قبره , ونوِّر له فيه ).

أمّا أم سلمة فتذكرت مارواه لها أبو سلَمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: اللهم عندك أحتسب مصيبتي هذه ..

لكنها لم تطب نفسها أن تقول اللهم اخلفني فيها خيراً منها لأنها كانت تتسائل ومن عساه أن يكون خيرا من أبي سلمة ؟!

لكنّها مالبثت أن أتمّت الدعاء ...

 

* * *

- حزن المسلمون لمُصاب أم سلمة كما لم يحزَنُوا لِمُصاب أحدٍ من قبل ، وأطلقوا عليها اسم: أِّيم العرب ( الأيم: هي المرأة التي فقدت زوجها ) ... إذ لم يكُن لها في المدينة أحدٌ من ذويها غير صبيةٍ صغار كزُغْب القَطا ( أي كفراخ القطا التي لم ينبت ريشها ).

 

* * *

- شعر المُهاجرون والأنصار بحقِّ أم سلمة عليهم ، فما كادت تنتهي من حدادها على أبي سلمة حتى تقدّم منها أبو بكر الصدّيق يخطبها لنفسه ، فأبت أن تستجيب لطلبه ...

ثم تقدّم منها عمر بن الخطّاب فردّته كما ردّت صاحبه ثم تقدّم منها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت له:

يارسول الله ، إن فيّ خِلالاً ثلاثاً ..

فأنا امرأة شديدة الغيرة ، فأخاف أن ترى مني شيئا يُغضبك فيُعذبني الله به..

وأنا امرأةٌ قد دخلت في السِنِّ أي ( جاوزتُ سن الزواج )..

وأنا امرأةٌ ذات عيال.

- فقال عليه الصلاة والسلام:

( أما ما ذكرتِ من غَيرتك فإني أدعو الله عزّ وجل أن يُدهيها عنكِ , وأما ما ذكرت من السّن فقد أصابني مثل الذي أصَابك , وأما ما ذكَرتِ من العيال ، فإنّما عيالُك عيالي ).

ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلّم من أُم سلمة فاستجاب الله دعائها ، وأخلفها خيراً من أبي سلَمَة.

ومنْذُ ذلك اليوم لم تبقَ هند المخزُوميَّة أُمّا لسلَمة وحده , وإنما غدَت أمَاً لجميع المُؤمنين.

- نضّر الله وجهُ أمّ سلَمة في الجنّة ورضي الله عنها وأرضاها.

للدكتور : عبدالرحمن رأفت الباشا - مؤرخ سوري - رحمه الله - 1920/1986م







ثمامة بن أثال


 

في السنَةِ السادِسَةِ للهِجرَةِ عَزَمَ الرسولُ صلواتُ اللهِ عليه عَلَى أن يوسِّعَ نِطاق دَعوتهِ إلى اللهِ، فَكَتَبَ ثمانِيةَ كُتُبٍ إلى ملوكِ العربِ والعجَم، وبعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الإسلام.

وكان في جملة من كاتبهم (( ثمامة بن أثال الحنفي)).

ولا غزو ( أي لاعجب ) ، فثمامة قيل من أقيال العرب في الجاهلية ( القيل هو الملك أو الرئيس وسمي بذلك لأنه إذا قال أمرا نفذ )..

وسيد من سادات بني حنيفة المرموقين . . . وملك من ملوك اليمامة الذين لا يعصى لهم أمر.

 

* * *

تلقى ثمامة رسالة النبي عليه الصلاة والسلام بالزراية والإعراض.

وأخذته العزة بالإثم ؛ فأصم أذنيه عن سماع دعوة الحق والخير. . .

ثم إنه ركبه شيطانه فأغراه بقتل رسول الله صلى الله عليه و سلم ووأد دعوته معه، فدأب يتحين الفرص للقضاء على النبي حتى أصاب منه غره ( الغرة هي الغفلة ) ، وكادت تتمُّ الجريمة الشنعاء لولا أن أحد أعمام ( ثُمامة ) ثناه عن عزمه في آخر لحظه ، فنجَّى الله نبيه من شره.

لكنّ ثمامة إذا كان قد كفّ عن رسول الله صلوات الله عليه وسلم، فإنه لم يكف عن أصحابه، حيث جعل يتربص بهم، حتّى ظفر بعدد منهم وقتلهم شر قتله؛ فأهدر النبي عليه الصلاة والسلام دمه، وأعلن ذلك في أصحابه.

 

* * *

لم يمض على ذلك طويل وقتٍ حتى عزم ثمامة بن أثال على أداء العمرة ، فانطلق من أرض اليمامة موليا وجهه شطر مكّة، وهو يُمنِّي نفسه بالطواف حول الكعبة والذبح لأصنامها...

 

* * *

وبينما كان ثمامة في بعض طريقه قريباً من المدينة نزلت به نازلة لم تقع له في حسبان.

ذلك أن سريّة من سرايا رسول الله صلوات الله عليه ، كانت تجوس خلال الدّيار خوفاً من أن يطرق المدينة طارق، أو يريدها معتد بشر.

فأسرت السرية ثمامة ( وهي لا تعرفه ) ، وأتت به إلى المدينة ، وشدته إلى سارية من سواري المسجد، منتظرة أن يقف النبي الكريم بنفسه على شأن الأسير، وأن يأمر فيه بأمره.

ولما خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد، وهمّ بالدخول فيه رأى ثمامة، مربوطا في السارية فقال لأصحابه: ( أتدرون من أخذتم؟ ).

فقالوا: لا يارسول الله.

فقال: ( هذا ثمامة بن أثال الحنفي، فأحسنوا أساره ...).

ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله وقال: ( اجمعوا ماعندكم من طعام وابعثوا به إلى ثمامة بن أسد....).

ثم أمر بناقته أن تُحلب له في الغدوِّ والرواح، وأن يقدم إليه لبنها... وقد تم ذلك كله قبل أن يلقاه الرسول صلوات الله عليه أو يكلمه.

 

* * *

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام وقال: ( ماعندك ياثمامة؟ ).

فقال: عندي يامحمد خير... فإن تقتل تقتل ذا دم ... وإن تنعم تنعم على شاكر... وإن كنت تريد المال؛ فسل تُعط منه ماشئت.

فتركه رسول الله صلوات الله عليه يومين على حاله، يؤتى له بالطعام والشراب، ويحمل إليه لبن الناقة ثم جاءه، فقال: ( ماعندك ياثمامة؟ ).

قال: ليس عندي إلا ماقلت لك من قبل... فإن تُنعم تُنعم على شاكر... وإن تقتل تقتل ذا دم ... وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ماشئت.

فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان اليوم التالي جاءه فقال: ( ماعندك ياثمامة؟ ).

فقال: عندي ماقلت لك... إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال أعطيتك منه ماتشاء.

فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال: ( أطلقوا ثمامة...).

ففكوا وثاقه وأطلقوه.

 

* * *

غادر ثمامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومضى حتى إذا بلغ نخلا في حواشي المدينة ( قريبا من البقيع ) فيه ماء أناخ راحلته عنده، وتطهر من ماءه فأحسن طهوره، ثم عاد أدراجه إلى المسجد، فما إن بلغه حتى وقف على ملأٍ من المسلمين وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

ثم اتجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يامحمد، والله ماكان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك... وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ماكان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين كله إليّ. ووالله ماكان بلدٌ أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي.

ثم أردف قائلا: لقد كنت أصبت في أصحابك دما فما الذي توجبه علي؟

فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تثريب عليك ياثمامة... فإن الإسلام يجبُّ ماقبله....).

وبشره بالخير الذي كتبه الله له بإسلامه.

فانبسطت أسارير ثمامة وقال: والله لأصيبن من المشركين أضعاف ما أصبت من أصحابك، ولأضعن نفسي وسيفي ومن معي في نصرتك ونصرة دينك.

ثم قال: يارسول الله إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى أن افعل؟

فقال عليه الصلاة والسلام: ( امض لأداء عمرتك ولكن على شرعة الله ورسوله )، وعلّمه ما يقوم به من المناسك.

 

* * *

مضى ثمامة إلى غايته حتى إذا بلغ بطن مكة وقف يُجلجلُ بصوته العالي قائلا: ( لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك... إن الحمد والنعمة لك والملك... لا شريك لك )...

فكان أول مسلم على ظهر الأرض دخل مكة ملبيا.

 

* * *

سمعت قريش صوت التلبية فهبت غاضبة مذعورة، واستلّت السيوف من أغمادها، واتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الذي اقتحم عليها عرينها.

ولما أقبل القوم على ثمامة رفع صوته بالتلبية، وهو ينظر إليهم بكبرياء؛ فهمّ فتى من فتيان قريش أن يرديه بسهمه فأخذوا على يده وقالوا: ويحك أتعلم من هذا؟!

إنه ثمامة بن أثال ملك اليمامة...

والله إن أصبتموه بسوء قطع قومه عنا الميرة ( المؤونة ) وأماتونا جوعا.

ثم أقبل القوم على ثمامة بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها وقالوا ما بك يا ثمامة ؟!!

أصبوت وتركت دينك ودين آبائك؟!!

فقال: ماصبوت ولكن اتبعت خير دين... اتبعت دين محمد.

ثم أردف يقول: أقسم برب هذا البيت، إنه لا يصل عليكم بعد عودتي على اليمامة حبة من قمحها أو شيء من خيراتها حتى تتبعوا محمدا عن أخركم...

 

* * *

اعتمر ثمامة بن أثال على مرأى من قريش كما أمره الرسول صلوات الله عليه أن يعتمر...

وذبح تقربا لله لا للأنصاب والأصنام، ومضى إلى بلاده فأمر قومه أن يحبسوا الميرة عن قريش، فصدعوا بأمره واستجابوا له، وحبسوا خيراتهم عن أهل مكة.

 

* * *

أخذ الحصار الذي فرضه ثمامة عن قريش يشتد شيئا فشيئا، فارتفعت الأسعار وفشا الجوع في الناس واشتد عليهم الكرب، حتى خافوا على أنفسهم وأبنائهم من أن يهلكوا جوعا.

عند ذلك كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن عهدنا بك أن تصل الرحم وتحض على ذلك... وها أنت قد قطعت أرحامنا، فقتلت الآباء بالسيف وأمت الأبناء بالجوع. وإن ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا وأضر بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث إلينا بما نحتاج إليه فافعل.

فكتب عليه الصلاة والسلام إلى ثمامة بأن يطلق لهم ميرتهم فأطلقها.

ظل ثمامة بن أثال ما امتدت به الحياة وفيا لدينه ، حافظا لعهد نبيه، فلما التحق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، وطفق العرب يخرجون من دين الله زرافات ووحداناً، وقام مسيلمة الكذاب في بني حنيفة يدعوهم إلى الإيمان به، وقف ثمامة في وجهه، وقال لقومه: يابني حنيفة إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه ... إنه والله لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم، وبلاءٌ على من لم يأخذ به.

ثم قال: يابني حنيفة إنه لا يجتمع نبيان في وقت واحد، وإن محمدا رسول الله لا نبي بعده، ولا نبي يشرك معه، ثم قرأ عليهم: { غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } غافر3..

ثم قال: أين كلام الله هذا من قول مسيلمة: ( ياضفدع نِقِّي ما تنقين، لا الشراب تمنعين ولا الماء تكدرين ).

ثم انحاز بمن بقي على الإسلام من قومه ومضى يقاتل المرتدين جهاداً في سبيل الله وإعلاء لكلمته في الأرض.

جزى الله ثمامة بن أثال عن الإسلام والمسلمين خيرا... وأكرمه بالجنة التي وعد المتقون.

للدكتور : عبدالرحمن رأفت الباشا - مؤرخ سوري - رحمه الله - 1920/1986م


0 التعليقات: