اعلن معنا

+ صور من حياة الصحابة 22- 21( الطفيل بن عمرو الدوسي )0عبدالله بن حذافة السهمي



---------- Forwarded message ----------
From: موج هادي <moj.hadi@hotmail.com>
Date: 2010/9/18
Subject: صور من حياة الصحابة 22- ( الطفيل بن عمرو الدوسي )0
To:




صور من حياة الصحابة 21- ( )0
To: 




 
 

* بطل قصتنا هذه رجلٌ من الصحابة يدعى عبد الله بن حذافة السهميَّ.

لقد كان في وسع التاريخ أن يمُرَّ بهذا الرجل كما مرَّ بملايين العرب من قبله دون أن يأبه لهم أو يخطروا له على بال.

لكنَّ الإسلام العظيم أتاح لعبد الله بن حذافة السهمي أن يلقى سيِّدَي الدنيا في زمانه: كِسرى ملك الفرس ، وقيصر عظيم الروم، وأن تكون له مع كل منهما قصة ماتازال تعيها ذاكرة الدهر ويرويها لسان التاريخ.

 

* * *

أما قصته مع كسرى ملك الفرس فكانت في السنة السادسة للهجرة حين عزم النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أن يبعث طائفةً من أصحابه بكتُبٍ إلى ملوك الأعاجِم يدعوهم فيها إلى الإسلام.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر خطورة هذه المهمَّة ...

فهؤلاء الرُسُل سيذهبون إلى بلادٍ نائيةٍ لا عهد لهم بها من قبلُ ...

وهم يجهلون لغات تلك البلاد ولا يعرفون شيئا عن أمزجة ملوكها ...

ثُمّ إنّهُم سيدعُون هؤلاءِ الملوك إلى تركِ أديانِهم ، ومُفارَقةِ عِزِّهِم وسُلطانهم ، والدخول في دين قوم كانوا إلى الأمس القريب من بعض أتباعهم ...

إنها رحلةٌ خطِرَة ، الذاهِبُ فيهَا مفقود واللعائِد منها مولودٌ.

لِذا جمَع الرسولُ عليه الصلاة والسلام أصْحابـهُ ، وقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، وتشهد ، ثم قال: ( أمّا بعد ، فإني أريدُ أَنْ أَبْعَثَ بعْضَكُم إلى ملوكِ الأعاجِم ، فلا تختَلِفوا عليّ كما اخْتَلف بنو اسرائيلَ على عيسى بن مريَمَ ).

فقال أصحاب رسول الله صلّى الله عليهِ وسلّم: نحن يارسول الله نؤدي عنْك ماتُريد فابعَثنا حيثُ شِئتَ.

 

* * *

انتدب رسول الله عليه الصلاة والسلام ستةٌ من الصحَابةِ ليحْمِلُوا كُتُبَهُ إلى مُلوكِ العَرب والعَجَمِ ، وكان أحد هؤلاء الستَّة عبد الله بن حُذافة السَّهميُّ ، فقد اختير لحَمْلِ رسالة النبِّي صلوات الله عليه إلى كِسرى ملِك الفُرس.

 

* * *

جهّز عبد الله بن حُذافة راحِلتَه ، وودّعَ صاحِبَتَهُ وولدَهُ ، ومضى إلى غايتِه تَرْفَعَهُ النَّجـادُ ، وتحطُّه الوِهادُ ( النجاد: الأماكن العالية ، الوهاد: الأماكن المنخفضة ) ؛ وحيداً فريداً ليس معَهُ إلا الله ، حتى بلغ دِيارَ فارِس ، فاسْتأذَنَ بالدُخولِ إلى ملِكِها ، وأخطَرَ الحاشيةَ ( الحاشية: أعوان الملك ) بالرِسالة التي يحمِلُها له.

عند ذلِكَ أمرَ كِسْرى بإيوائه فُزُيِّن ، ودعا عظماء فارسَ لحضورِ مجلسِه فَحَضروا ، ثم أذن لعبد الله بن حُذافة بالدُخول عليه.

دخل عبد الله بن حُذافة على ملِكِ فارس مُشتَمِلاً شَمْلَتَهُ الرَّقيقَةَ ، مرتديا عبائته الصَّفِـيقَة ، عليهِ بسـاطَةُ الأعْرابِ.

لكنّه كان عالي الهمة مشدود القامة ، تتأجج بين جوانحه عِزّة الإسلام ، وتتوقّدُ في فؤادِه كِبرياءُ الإيمَان.

فما إن رآه كسرى مقبلاً حتى أَومـا إلى أحَدِ رجاله بأن يأخُذ الكِتَاب من يَدِهِ ، فقال: لا ، إنّما أمَرني رسَُول الله أن أدْفَعَه لكَ يداً بيدٍ وأنا لا أخالِف أمراً لرسول الله.

فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدْنو مني ، فدنا من كسرة حتّى ناولَهُ الكِتاب بيدِه.

ثُمّ دعا كسرَى كاتِباً عربياً مِن أهلِ الحيرة ِ ، وأمره أن يفُضَّ الكِتاب بين يديه ، وأن يَقْرأَ عليهِ فإذا فيهِ: ( بِسم الله الرّحمن الرَّحيم ، من محمدٍ رسول الله إلى كِسرى عظيم فارس ، سلامٌ على من اتبَعَ الهُدى .... ).

فما أن سمِع كِسرى من الرِسالةِ هذا المِقدار حتّى اشتعلتْ نار الغضب في صدرهِ ، فاحمرّ وجهه وانتفَخت أوادجُه لأن الرسول عليه الصلاةُ والسلام بدأ بنفسِهِ ...فجذَب الرسالةَ من يدِ كاتِبِهِ وَجَعل يُمَزِّقُها دون أن يعلَم مافيها وهو يصيحُ: أيَكتُب لي بهذا وهَو عبدي ؟!! ثَمّ أمر بعبد الله بن حُذافة أن يُخرَجَ مِن مجلِسِه ، فأُخرِجَ.

 

* * *

خرج عبد الله بن حُذافة من مجلس كسرى ، وهو لا يدري مايفعل الله له ...

أيُقتل أم يُتركُ حراً طليقاً ؟

لكنَّه مالبِث أن قال: والله ما أُبالي على أي حالٍ أكون بعدَ أن أديْتُ كتاب رسولِ الله ، ورَكِبَ راحِلَتَهُ وانطلَق.

ولما سكتَ عن كِسرى الغضَب ، أمَر بأن يدخُل عليه عبد الله ؛ فلَم يوجد ...

فالتَمَسُوهُ فلم يقِفوا له على أَثُرْ ...

فطلبوه في الطريقِ إلى جزيرة العربِ فوجوده قد سبقَ.

فلمَّا قَدِم عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أخبره بما كان من أمْرِ كِسرى وتمزيقِه الكِتاب ، فما زاد عليه الصَلاة والسلام على أن قالَ: ( مزَّق الله مُلْكَه ).

 

* * *

أما كِسرى فقد كتَب إلى ((باذان)) نائبه على اليمن: أنِِ ابعث إلى هذا الرجُل الذي ظَهر بالحِجاز رجلين جَلْدَين من عندِك ، ومُرهُما أن يأتياني به ... فبعث ((باذان)) رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمَّلَهُما رسالةً لهُ ، يأمُره فيها بأن ينصِرف معهما إلى لِقاءِ كِسرى دون إبطاءٍ...

وطلب إلى الرجُلين أن يقِفا على خبَرِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام ، وأن يستقصيا أمرَهُ ، وأن يأتيَاه بما يقِفان عليه مِن معلومات.

 

* * *

خرج الرجلان يُغِذَّان السّير حتّى بلغا الطائف فوجدا رجالا تُجارا من قُريش ، فسألاهُم عن مُحمّد عليه الصلاة والسلام ، فقالوا: هو في يثْرِبَ ، ثم مضى التُجّار إلى مكّة فَرِحين مُستبشرين ، وجَعلوا يُهنِّئون قُريشاً ويقولون: قَرُّوا عيناً فإن كسرى تصدّى لمُحمد وكفاكُم شرَّهُ.

أما الرجلان فَيمَّما وجهيهِما شَطْر المدينة حتّى إذا بلغاها لقِيا النبي عليه الصلاة والسلام ، ودفعا إليه رسالة ((باذان)) وقالا له:

إن ملك الملوك كسرى كتَبَ إلى ملِكِنا ((باذان)) أن يبعث إليك من يأتيه بك ... وقد أتيناك لتنطلق معنا إليه ، فإن أجبتنا كلّمنا كسرى بما ينفعك ويكفُّ أذاهُ عنك ، وإن أبيتَ فهُو من قد علِمتَ سطوتَهُ وبطشه وقدرته على إهلاكك وإهلاك قومك.

فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام وقال لهُما: ( ارجعا إلى رحالِكُما اليوم وأتِيا غداً ).

 

فلما غَدَوا على النبي صلوات الله عليه في اليوم التالي ، قالا له: هل أعدَدْت نفسك للمُضِيِّ معنا للقَاءِ كِسرى؟

فقال لهما النبي: ( لن تلقيا كسرى بعد اليوم ... فلقد قتله الله ؛ حيث سلّط الله عليه ابنه ((شِيروَيه)) في ليلة كذا ... من شهر كذا ...).

فحَدّقا في وجه النبي ، وبَدَت الدهشة على وجهيهما ، وقالا: أتدري ماتقول ؟! أنكتب بذلك (( لباذان )) ؟!

قال : ( نعم ، وقولا له: إن ديني سيبلغ مابلغ إليه مُلكُ كسرى ، وأنّك إن أسلمتَ أعطيتُك ماتحْتَ يَديْك ، وملَّكْتُك على قومك ).

 

* * *

خرج الرجلان من عند الرسول صلوات الله عليه ، وقدِما على (( باذان )) وأخبراه الخبر ، فقال لئن كان ماقاله محمد فهو نبي ، وإن لم يكن كذلك فسنرى فيه رأياً ...

فلم يلبث أن قدم على (( باذان )) كتاب ((شيرويه)) وفيه يقول:

أما بعد فقد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا انتقاما لقومنا ، فقد استحل قتل أشرافهم وسبيَ نِسائِهِم وانتهاب أموالِهِم ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطّاعة ممّن عندك.

فما إن قرأ (( باذان )) كتابُ ((شيرويه)) حتّى طرَحه جانبا وأعلن دخوله في الإسلام ، وأسلم من كان معه من الفُرس في بلاد اليمن.

 

* * *

هذه قصة لقاء عبد الله بن حذافة لكسرى ملك الفرس.

فما قصة لقائه لقيصر عظيم الروم ؟

لقد كان لقاؤه لقيصر في خلافة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، وكانت له معه قصةً من روائع القصص ..

ففي السنة التاسعة عشرة للهجرة بعث عمر بن الخّطاب جيشاً لحربِ الروم فيه عبد الله بن حُذافة السهميُّ ...وكان قيصر عظيم الروم قد تناهت إليه أخبار جُندِ المسلمين ومايتحلّون به من صدقِ الإيمان ورسوخ العقيدة واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله.

فأمر رِجاله إذا ظفروا بأسير من أسرى المسلمين أن يُبقوا عليه ، وأن يأتوه به حياً وشاء الله أن يقع عبد الله بن حُذافة السَّهميُّ أسيرا في أيدي الروم ؛ فحملوه إلى مليكهم وقالوا: إن هذا من أصحابِ محمد السابقين إلى دينِه قد وقع أسيراً في أيدينا ؛ فأتيناك به.

 

* * *

نظر ملِكُ الروم طويلاً إلى عبد الله بن حُذافة ، ثمّ بادره قائلاً:

إني أعرض عليك أمراً.

قال: وماهو ؟

فقـال أعرض عليك أن تتنصَّر ... فإن فعَلتَ ، خلَّيتُ سبيلَك ، وأكرمتُ مثواك.

فقال الأسيرُ في أنفةٍ وحزمٍ: هَيهاتَ ... إن الموت لأحبُّ إليَّ ألف مرّةٍ مما تدعوني إليه.

فقال قيصر: إني لأراك رجُلاً شهماً ... فإن أجبتني فيما أعرضُه عليك أشركْتُك أمري وقاسمتك سُلطاني.

فتبسّم الأسير المُكبَّلُ بقيودِه وقال:

والله لو أعطيتني جميع ما تملُك ، وجميع ماملكتهُ العرب على أن أرجع على دين محمدٍ طرفة عينٍ مافعلت.

قال: إذن أقتلك.

قال: أنت وماتريد ، ثم أمر به فصُلِبَ ، وقال لقناصتِه - بالرُّومية -: ارموه قريباً من يديه وهو يعرُض عليه التنصُّر فأبى.

فقال: ارموه قريبا من رجليه ، وهو يعرض عليه مفارقة دينِه فأبى.

عند ذلك أمرهُم أن يكُفُّوا عنه وطلَب إليهم أن يُنزلوه عن خشبة الصلب ، ثم دعا بقدرٍ عظيمةٍ فصُبَّ فيها الزيتُ ورفِعَت على النّار حتى غلت ثم دعى بأسيرين من أسرى المُسلِمين ، فأمر بأحدِهِما أن يُلْقا فيها فأُلقي ، فإذا بلحمه يتفتَّتُ. وإذا عِظامَه تبدو عاريةً ...

ثم التفت إلى عبد الله بن حُذافة ودعاه إلى النصرانيّة ، فكان أشدَّ إباءً لها من قبل.

فلما يئس منه ؛ أمر به أن يُلقا في القِدر التي أُلقِيَ فيها صاحباه فلما ُّهِب به دمعت عيناه ، فقال رجالُ قيصر لمَلِكِهم: إنّه قد بكى ...

فظَّن أنَّه قد جَزِع وقال ردوه إليَّ.

فلمّا مثُلَ بين يديه عرض عليه النصرانيَّة فأباها.

فقال: ويحُك فما الذي أبكاك إذن ؟!

قال: أبكاني أني قُلتُ في نفسي: تُلقى الآن في هذه القِدر فتذْهَبُ نفسُكَ ، وقد كُنْتُ أشتهي أن يكون لي بعدد مافي جسدي من شعرٍ أَنفُسٌ فتُلقى كلُّها في هذا القِدر في سبيل الله.

فقال الطاغية: هل لك أن تُقَبِّلَ رأسي وأُخلِّي عنك ؟

فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المُسلمين أيضاً.

قال: وعن جميع أسرى المسلمين أيضا.

قال عبد الله: فقُلت في نفسي: عدوٌ من أعداء الله ، أُقبِّلُ رأسه فيُخلِّي عنِّي وعن أسارى المُسلِمين جميعاً ، لا ضيرَ في ذلك عليَّ.

ثُمّ دنا منه وقبَّل رأسَهُ ، فأمَرَ مَلِكُ الرُّوم أن يجمعوا له أسارى المُسلِمين ، وأن يدفعوهم إليه ، فدُفِعوا له.

 

* * *

قَدِمَ عبد الله بن حُذافة على عٌمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، وأخْبَرَهُ خَبَرَهُ ؛ فسُرَّ به الفاروق أعظَم السُرور ، ولمّا نظَر إلى الأسرى قال: حقٌّ على كُلِّ مُسلِمٍ أن يُقبِّل رأس عبد الله بن حُذافَة .. وأنا أبدأ بذلك... ثم قام وقبّل رأسه ...

للكاتب / عبدالرحمن رأفت الباشا - رحمه الله - مؤرخ سوري - 1920/1986م


الطفيل بن عمرو الدوسي


* الطُّفَيل بن عمرو الدوسيُّ سيد قبيلةِ دوسٍ في الجاهليةِ ، وشريفٌ من أشرافِ العرب المرموقين ، و واحدٌ من أصحابِ المروءاتِ المعدودين ....

- لاتنزِلُ له قِدر عن نار ، ولا يُوصَدُ له باب أمامَ طارق ... يُطعِمُ الجائِعَ ، ويُؤمِّنُ الخائِفَ ، ويُجيرُ المُستَجيرَ.

- وهو إلى ذلكَ أديبٌ أريبٌ لبيبٌ - أريب لبيب: ذكي فطن - ، وشاعرٌ مُرهَفُ الحِسِّ ، رقيقُ الشُعور ، بصيرٌ بحلو البيانِ ومُرِّهِ ... حيث تفعلُ فيع الكَلِمةُ فِعلَ السِّحر.

 

* * *

- غادر الطفيلُ منازِل قومِهِ في تهامة متوجهاً إلى مكَّة ، ورَحَى الصِّراع دائرةٌ بين الرسولِ الكريمِ صَلواتُ الله عليه وكُفّار قُريشٍ ، كُلٌّ يُريد أن يكسب لنفسِه الأنصار ، ويجتذِب لحِزبِه الأعوان ...فالرسُولُ صلواتُ الله وسلامُه عليه يدعو لربِّه وسِلاحُه الإيمانُ والحق ، وكُفارُ قُريشٍ يقاومون دعوتَه بِكلِّ سلاحٍ ، ويصُدُّون الناس عنه بكلِّ وسيلةٍ.

- ووجد الطفيلُ نفسَهُ يدخُلُ في هذه المعركة غير أُهبةٍ ، ويخوضُ غِمارها عن غيرِ قَصدٍ ....

فَهو لم يقدَم إلى مكة لهذا الغرضِ ، ولا خَطر له أمرُ محمدٍ وقُريش قبل ذلك على بال.

ومن هنا كانت للطُفيل بن عمرو الّدوسي مع هذا الصراع حِكاية لا تُنسى ؛ فلنستمِع إليها فإنها من غرائب القصص.

- حدّث الطُفيل قال: قدِمتُ مكّة ، فما إن رآني سادة قُريش حتى أقبلوا علي فرحبوا بي أكرم ترحيبٍ ، وأنزلوني فيهم أعز منزل.

- ثمّ اجتمع إلىّ سادتهُم وكبرائهم وقالوا: ياطفيلُ ، إنّك قد قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قد افسد أمرنا ومزّق شملنا ، وشتّت جماعتنا ، ونحن إنما نخشى أن يَحل بك وبزعامتك في قومك ماقد حلَ بِنا ، فلا تُكَلِّم الرجل ، ولا تسمعنّ منه شيئا فإن له قولاً كالسحر ، يفرق بين الولد وأبيه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين الزوجة وزوجها.

 

* * *

- قال الطفيل: فوالله مازالو بي يقصٌّون عليَّ من غرائب أخباره ويخوفونني على نفسي وقومي بعجائب أفعاله حتى أجمعت أمري على ألا أقترِبَ منه ، وألا أكلمه أو أسمع منه شيئاً.

ولمّا غدوتُ إلى المسجد للطواف بالكعبة ، والتبرك بأصنامها التي كنا إليها نحُجُّ وإياها نعظِّم ، حشوت في أذني قطناً خوفا من أن يلامس سمعي شيء من قول محمد.

- لكنت ما إن دخلت المسجِد حتى وجدته قائما يصلي عند الكعبة صلاة غيرَ صلاتنا ، ويتعبد عبادة غير عبادتناً ، فأسرني منظره ، وهزتني عبادته ، ووجدت نفسي أدنو منه ، شيئا فشيئا على غير قصد مني حتى أصبحت قريبا منه....

وأبى والله إلا أن يصل إلى سمعي بعض مما يقول ، فسمعت كلاما حسناَ ، وقلت في نفسي: ثُكِلَتكَ أُمّك يا طُفيل ... إنّك لرجلٌ لبيب شاعر ، وما يخفى عليك الحَسنُ من القبيحِ ، فما يمنعك أن تسمعَ من الرجلِ مايقولُ ... فإن كان الذي يأتي به حسناً ، وإن كان قبيحا تركته.

- قال الطفيل: ثم مكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، فتبعته حتى إذا دخل داره دخلت عليه ، فقلت: يامحمّد ، إن قومَك قد قالو لي عنك كذا وكذا وكذا ، فوالله مابِرحوا يخوفونني من أمرك حتّى سددتُ أذُنيّ بقُطنٍ لِئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني شيئا منه ، فوجدته حسناً فاعرض عليّ أمرَك.

فَعَرَض عليّ أمره ، وقرأ لي سورةَ الإِخلاصِ والفلق ، فوالله ما سمِعتُ قولاَ أحسن من قولِه ، ولا رأيتُ أمراً أعدَل من أمره.

عِندَ ذلك بسطتُ يدي له ، وشَهِدتُ أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمّداً رسولُ الله ، ودخَلتُ في الإسلام.

 

* * *

- قال الطفيل ثم أقمت في مكّة زمناً تعلّمت فيه أُمور الإسلام وحفِظتُ فيهِ ماتيسر من القرآنِ ، ولما عزمت على العودة إلى قومي قُلت: يارسولَ الله إني امرؤٌ مُطاعٌ في عشيرتي ، وأنا راجِعٌ إليهم وداعيهم إلى الإسلام ، فادعُ الله أن يجعَل لي آيةً تكون عوناً فيما أدعوهم إليه فقال عليه الصلاة والسلام: ( اللّهُمّ اجعل له آية ).

- فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت في موضعٍ مشرفٍ على منازلِهم وقَع نورٌ فيما بين عيني مِثلٌ المِصباح ، فقُلت: اللّهُم اجعله في غير وجهي ، فإني أخشى أن يظُنُّوا أنّه عقوبة وقعت في وجهي لمفارَقَةِ دينهم ....

فتحوّل النور فوقع في رأس سَوطِي ( السوط: مايضرب به من جِلدٍ مضفورٍ ونحوه ) كالقنديلِ المُعَلّق ، وأنا أهبطُ إليهم من الثنِيّة ( الثنية: العَقبَة ) ، فلما نزلتُ أتاني أبي - وكان شيخا كبيرا - فقلت: إليك عني يا أبتَ ، فلستُ منك ولست مني.

قال: ولِم يابُنيَّ ؟!

قلت: لقد أسلمت وتابعت دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

قال: أي بُنيَّ ديني دينُك ،فقلت: اذهب واغتَسِل وطَهِّر ثيابَك ، ثُمّ تعالَ أُعلّمك ماعُلّمتُ.

فذهب فاغتَسلَ وطهّرَ ثِيابَه ، ثُمّ جاء فعرضتُ عليهِ الإسلام فأسلم.

ثُمّ جاءت زوجتي ، فقلت:  إليكِ عنّي فلستُ منك ولستِ منِّي .

قالت: ولِمَ !! بأبي أنتَ وأُمِّي ، فقلت: فرَّق بيني وبينك الإسلامُ ، فقد أسلمت وتابعت دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

قالت: فديني دينُك ، قلت: فاذهبي وتطهري من ماءِ ذي الشَّرى - وذو الشَّرى صنمٌ لدَوسِ حولَهُ ماءٌ يهبِط من الجبل - فقالت: بأبي أنت وأُمِّي أتخشَى على الصِِّبْيَةِ شيْئاً مِن ذي الشَّرى ؟!

فقلت: تباً لكِ ولذي الشَّرى ... قُلتُ لكِ اذهَبي واغتسلي هناك بعيداً عن النـاس ، وأنا ضامنٌ لكِ ألاَّ يفعل هذا الحجرُ الأصمُّ شيئاً.

فذَهبَتْ فاغتَسلتْ ، ثُمّ جاءت فعرضْتُ عليها الإسلام فأسـلمت.

ثم دعوتُ دوساً فأبطؤوا عليّ إلأ أبا هُريرَة فقد كان أسَرَعَ النَّـاس إسلاماً.

 

* * *

- قال الطفيلُ: فجِئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمكَّة ، ومعي أبو هريرة فقال لي النّبي عليه الصلاة والسلام : ( ماوراءك يا طفيلُ ؟ ).

فقلت: قلوبٌ أكِنّة ( أكنّة: ستور تمنعُها من رؤية الحق ) وكفر شديد ... لقد غلَب على دوسٍ الفُسوق والعِصيـان ....

- فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وصلّى ورفع يده إلى السمـاء ، قال أبو هريرة لما رأيته كذلك خفتُ أن يدعوَ على قومي فيهلكوا ...

فقلت: واقوماه ...

لكن الرسول صلوات الله عليه جعل يقول: ( اللَّهُمَّ اهْدِ دوساً ... اللَّهُمَّ اهْدِ دوساً ... اللَّهُمَّ اهْدِ دوساً ...).

ثم التفت إلى الطفيل وقال: ( ارجع إلى قومك وارفق بهم وادعُهُم إلى الإسلام ).

قال الطفيلُ: فلم أزل بأرضِ دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة ، ومَضَت بدْرٌ وأُحدٌ والخنْدَق ، فقدمت على النبي ومعي ثمانون بيتا من دوْسِ أسلموا وحسنَ إسلامُهُم فسُرّ بِنـا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأسهم لنا مع المسلمين في غنائِم خَيْبرَ فقلنا: يارسول الله: اجعلنا مَيمنتَك في كلّ غزوةٍ تغزوها واجعل شعارنـا (( مَبْرُور )) .

 

- قال الطفيل: ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى فتحَ الله عليه مكَّة فقُلت:  يارسول الله ، ابعثني إلى (( ذي الكفَين )) صنَمِ عمرو بن حـمَـمَةَ حتّى أحرِقٌه ... فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام ، فسار إلى الصّتم في سريّة من قومه..

فلمـا بلَغَه ، وهَمّ بإحراقِه اجتمع حولَه النـسـاء والرِجال والأطـفـال يتربّصون به الشَّر ، وينتظرون أن تصعقه صاعـقة إن هُو نـال ((ذا الكفين )) بضُرٍّ.

لكنّ الطفيل أقبل على الصنم على مَشْهَدٍ من عُبَّادِه ... وجعل يُضرم النار في فُؤاده ... وهو يرتَجِز:

 

يــا ذا الكفين لست من عُبَّــأدكـــا

مــيلادُنـــا أقــدمُ مِن ميــلادِكـــا

إنِّي حــشَوْتُ الــنـــار في فُؤادكـــا

 

وما أن التهمت النار الصنم حّتى التَهمت معها ماتبقّى من الشِّرك في دَوس ؛ فأسلم القوم جميعا وحسن إسلامهم.

 

* * *

- ظلَّ الطفيلُ بن عمرو الدوسيُّ بعد ذلك ملازمـا لرسول الله صلوات الله عليه ، حتّى قُبِض النبي إلى جـوار ربِّـه.

ولما نَشبت حروب الرّدّةِ نفر الطفيل في طليعة جيش المُسلِمين لحرْبِ مُسيلمة الكّذاب وعمه ابنه عمرو.

وفيمـا هو في طريقه إلى الـيمامة رأى رُؤيـا ، فقال لأصحابـه:

إنّي رأيتُ رؤيـا فَعبِّروها لي.

فقالوا: ومارأيت ؟

قال: رأيت أن رأسي قد حُلِق ، وأنّ طائراً قد خرجَ من فمي ، وأن امرأة أدخلتني في بطنها ، وأن ابني عمراً جعل يطلُبُني حثيثاً لكنّهُ حيل بيني وبينه.

فقالوا: خيراً ....

فقال: أما أنا –والله – لقد أوّلتُهـا:

أما حلْقُ رأسي فذلك أن يُقطَعُ ... وأما الطائر الذي خرج من فمي فهو روحي ... وأما المرأة التي أدخلتني في بطنها فهي الأرض تُحفَرُ لي فأُدفَنُ في جوفِهـا .. وإنِّي لأرجو أن أُقتَل شهِيداً.

وأما طلبُ ابني لي فيعني أنّه يطلُب الشَّهـادة التي سأحظَى بها إذا أذن الله لكنَّه يدركُها فيمـا بعد.

 

* * *

- وفي معركة اليمامة أبلى الصُحـابيُّ الجليلُ الطفيلُ ابنُ عمرو الدوسيُّ أعظَم البلاءً ، حتّى خرّ صريعا شهيـدا على أرض المعركة.

وأما ابنه عمرو فما زال يُقاتِل حتّى أثْخَنتْه الجِراحُ - أثخنته أي أضعفته وأوهنت قواه – وقُطِعَت يدُه اليُمنى فعـاد إلى المدينة مخلفاً على أرضِ اليمامةِ أباهُ وَ يدَه.

 

* * *

- وفي خلافة عمر بن الخطّاب ، دخل عليه عمرو بن الطفيل ، فأُتِىَ للفاروق بطعام ، والناس جلوسٌ عنده ، فدعا القوم إلى طعامِه ، فتنحَّى عمرو عنـه ، فقال له الفـاروق: مالك ؟! لعلّك تأخرت عن الطعـام خجَلاً من يدِك ..

قال: أجل يا أمير المؤمنين.

قال: والله لا أذوق هذا الطعام حتى تخلِطَه بِيدِك المقطوعة ... والله ما في القوم أحدٌ بعضُه في الجنّة إلا أنتَ ، يُريدُ بذلك يدِه.

 

* * *

- ظلّ حلم الشهادة يلُوحُ ( يلوح: يتراءى ) لعمرو ومنذ فارق أباه ، فلما كانت معركة اليرموك بادر إليها عمرو مع المُبادِرين ومازال يقاتل حتى أدرك الشهادة التي منَّاه بها أبوه.

 

* * *

- رحِم الله الطفيل بن عمرو الدوسيّ ؛ فهو الشهيد وأبو الشهيد.

للكاتب / عبدالرحمن رأفت الباشا - رحمه الله - مؤرخ سوري - 1920/1986م


0 التعليقات: