اعلن معنا

صور من حياة الصحابة 24- ( الربيع بن زياد الحارثي )0 سعيد بن عامر الجمحي



---------- Forwarded message ----------
From: موج هادي <moj.hadi@hotmail.com>
Date: 2010/9/20
Subject: صور من حياة الصحابة 24- ( الربيع بن زياد الحارثي )0
To:



 

كان الفتى سعيد بن عامر الجُمحيُ واحد من الآلاف المؤلّفة ، الذين خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة بدعوة من زعماء قريش ، ليشهدوا مصرع خُبيب بن عديِّ أحد أصحاب محمد بعد أن ظفروا به غدراً.

وقد مكّنه شبابه الموفور وفتوته المتدَفقة من أن يزاحِم الناس بالمناكب حتى حاذى شيوخ قريش من أمثال أبي سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وغيرهما ممن يتصدرون الموكب.

وقد أتاح له ذلك أن يرى أسير قريش مكبلا بقيوده ، وأكفُّ النساء والصبيان والشُبانِ تدفعه إلى ساحة الموت دفعا ، لينتقموا من محمد في شخصه ، وليثأروا لقتلاهم في بدرِ بقتله.

 

ولما صارت هذه الجموع الحاشدة بأسيرها إلى المكان المُعدِّ لقتله وقف الفتى سعيد بن عامر الجُمحيُّ بقامته الممدودة يطل على خُبيب ، وهو يقدَّم إلى إلى خشبة الصَّلبِ ، وسمع صوته الثابت الهاديء من خلال صياحِ النِّسـوة والصبيان وهو يقول:

إن شئتُم أن تترُكوني أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا ....

ثم نظر إليه وهو يسـتقبل الكـعبة ، ويصلي ركعتين ، يا لحُسنِهِمــا ويا لتـمامـهـما .....

ثم رآه يقبل على زعمـاء القوم ويقول: والله لولا أن تظنوا أني أطلت الصلاة جَزعا من الموتِ لاستكثرت من الصلاة ....

 

ثم شهد قومه بعين رأسه وهم يمثلون بخُبيبً حياً ، فيقطعون من جسده قِطعة تلو القِطعة وهم يقولون له: أتُحِبُ أن يكون محمدُ مكانك وأنت ناجٍ ؟

فيقول - والدماء تنزِف منه -: والله ما أحُبُّ أن أكون آمنا وادعاً في أهلي وولدي ، وأن محمداً يوخز بشوكةٍ ...

فيلوح الناس بأيديهم في الفضاء ويتعالى صياحهم ...

أن اقتلوه ..اقتلوه...

 

ثم أبصر سعيد بن عامرٍ خُبيباً يرفعُ بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب ويقولُ: اللّهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تُغادِر منهم أحداً.

ثم لفظ أنفاسه الأخيرة ، وبه مالم يستطع احصائه من ضرباتِ السيوف وطعنات الرماح.

 

* * *

عادت قُريش إلى مكّة ، ونَسيت في زحمة الأحداث الجسام خُبيباً ومصرعه.

لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر الجُمحيُ لم يغب خُبيبٌ عن خاطره لحظةً.

كان يراه في حلمه إذا نام ، ويراه بخياله وهو مستيقظ ، ويَمثُلُ أمامه وهو يصلّي ركعتيه الهادئتين المطئِنتين أمام خشبة الصلب ، ويسمع رنين صوته في أذنيه وهو يدعو على قريش ، فيخشى أن تصعقه صاعقة أو تخِرّ عليه صخرةٌ من السماء.

ثم إن خُبيباً علَّم سعيداً مالم يكن يعلم من قبل .... علّمه أن الحياة الحقَّة عقيدةٌ وجِهادٌ في سبيلِ العقيدةِ حتى الموت.

وعلّمه أيضا أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيز ، ويصنع المعجزات.

وعلّمه أمراً آخر هو أن الرجل الذي يحبِّه أصحابه كل هذا الحبَّ إنما هو نبيٌّ مُؤيّدٌ من السمـاء.

عند ذلك شرح الله صدر سعيدٍ بن عامرٍ إلى الإسلامِ ، فقام في ملأٍ من الناس ، وأعلن براءته من آثام قريشٍ وأوزارها ، وخلعَه لأصنامها وأوثانها ودخوله في دين الله.

 

* * *

هاجر سعيد بن عامر إلى المدينة ، ولزم رسول الله وصلوات الله عليه ، وشَهِد معه خَيبر ومابعدها من الغزواتِ.

ولما انتقل النبيُّ الكريمُ إلى جوارِ ربه وهو راضٍ عنهُ ، ظلّ من بعدِه سيفاً مسلولاً في أيدي خليفتـيِه أبي بكرٍ وعُمرَ ، عاش مثلاً فريداً فذا للمؤمن الذي اشترى الآخرة بالدنيا ، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النـفس وشهوات الجسد.

 

* * *

وكان خليـفتا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعرفان لسعيدِ بن عامر صدقه وتقواه ، ويستمِعـان إلى نُصحِهِ ، ويصغيـان إلى قوله.

دخل على عمر بن الخطّاب في أول خلافتِه فقال: ياعُمر ، أوصيك أن تخـشى الله في النـاس ، ولا تخـش النـاس في الله ، وألا يخالِف قولُك فِعلَك ، فإن خيرَ القول ماصدَّقهُ الفِعلُ ...

يا عمر: أقِم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم ، وأحبَّ لهم ماتُحِبّ لنفسك وأهلِ بيتك ، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك ، وخُضِ الغمَرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائمٍ.

فقال عمر: ومن يستطيعُ ذلك يا سعيد ؟!

فقال: يستطيعهُ رجلٌ مثلُك ممن ولاهم الله أمر أمةِ محمد ، وليسَ بينه وبين الله أحدٌ.

 

* * *

عند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيداَ إلى مؤازرتِه وقال:  ياسعيدٌ إنا مولوك على أهل ((حِمصَ)).

فقال: ياعُمرُ نَشََدتُك الله ألا تفتنني ، فغضِب عمر وقال: ويحكُم وضعتُم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتُم عني !! والله لا أدعكَ.

ثمّ ولاهُ على ((حمص)) وقال: ألا نفرض لك رزقا؟

قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين ؟! فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي ، ثم مضى إلى ((حمص)).

وماهو إلا قليلٌ حتى وفد على أميرُ المؤمنين بعض ممن يثق بهم من أهل ((حمص)) فقال لهم:

اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسُدّ حاجتهم .

فَرفعو كتاباّ فإذا فيه فلانٌ وفلانٌ و سعيد بن عامر.

فقال: ومن سعيد بن عامر ؟!

فقالوا: أميرنا.

قال: أميركم فقير ؟!

قالوا: نعم ، ووالله إنه لتُمرُّ عليه الأيّام الطِوال ولا يوقد في بيته نار.

فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته ، ثم عمَد إلى ألف دينار ثم جعلها في صرةٍ وقال:

اقرؤوا عليه السلام مني ،وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على ضاء حاجاتك.

 

* * *

جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر إليها فإذا هي دنانير ، فجعل يُبعِدَها عنه وهو يقول:

إنا لله وإنا إليه راجعون - كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطبٌ - فهبّت زوجته مذوعرة وقالت: ماشأنك ياسعيد ؟! أمات أمير المؤمنين ؟! قال: بل أعظم من ذلك.

قالت: أَأُصيبَ المسلمون في وقعةٍ ؟!

قال: بل أعظم من ذلك.

قالت: وما أعظم من ذلك ؟!

قال: دخلت عليّ الدنيا لتُفسد آخرتي ، وحلت الفتنةُ في بيتي.

قالت: تخلّص منها - وهي لا تدري من أمر الدنيا شيئا -.

قال: أَوتُعينِينَنِي على ذلك ؟

قالت: نعم ..

فأخذ الدنانير فجعلها في صررِ ثم وزّعها على فقراء المسلمين.

 

* * *

لم يمض على ذلك وقت طويل حتى أتَى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ديار الشام يتفقّدُ أحوالها فلّمـا نزل بحِمص - وكانت تُدعى ((الكُويفَة )) وهو تصغيرٌ للكوفة وتشبيه حِمص بها لِكثرةِ شَكوى أهلِها من عُمّالِهِم وولاتِهم كما كان يفعل أهل الكُوفةِ - فلّما نزلَ بِها لقيَه أهلُها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم ؟

فشكوه إليه وذكروا أربعا من أفعـاله ، كلُّ واحدٍ منهـا أعظمُ من الآخَرِ.

قال عُمر: فجمعت بينه وبينهم ، ودعوت الله ألا يُخَيِّب ظنِّي فيه ؛ فقد كُنتُ عظيم َ الثِّـقةِ به.

فلمـا أصبحـوا عندي هـم وأميرهـم ، قلت: مـا تشكونَ من أميرِكُم ؟

قالوا: لا يخرجُ إلينا حتى يتعالى النهارُ.

فقلت: ماذا تقول ُ في ذلك ياسعيد , فسكت قليلاً ، ثم قال: والله إني أكره أن أقولَ ذلك ، أما وإنّه لا بُدّ منه ، فإنه ليس لأهلي خادمٌ ، فأقومُ في كلَّ صباح فأعجُن لهم عجينهُم ، ثم أثريث قليلاً حتى يختَمِر ، ثم أخبِزه لهم ، ثمّ أتوضأ وأخرج للناس.

 

قال عمر: وماتشكون منه أيضاً ؟

قالوا: إنه لا يُجيبُ أحداً بليلٍ.

قلت: وماتقولُ في ذلكَ ياسعيدُ ؟

قال: إني والله كنتُ أكره ُ أن أُعلِن هذا أيضاً. فأنا قد جعلت النهارَ لهم والليل لله عزَّ وجلَّ.

 

قلتُ: وماتشكون منهُ أيضاً ؟

قالوا: إنه لا يخرجُ إليـنـا يوماً في الشهرِ.

قلتُ: وماهذا ياسعيد ؟

قال: ليس لي خادمٌ يا أمير المؤمنين ، وليس عندي ثيابٌ غير التي عليّ ، فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجِفَّ ، ثمّ أخرج إليهم في آخر النهار.

 

ثم قُلت: وما تشكون منه أيضاً ؟

قالوا: تصيبه من حينٍ إلى آخر غشيةً فيغيبُ عمّن في مجلسِهِ.

فقلتُ: وماهذا ياسعيد ؟!

فقال: شَهِدتُ مصرع خُبيب بن عُديِّ وأنا مشرِكٌ ورأيتُ قُريشاً تقطعُ جسدَه وهي تقول: أتحِبُّ أن يكون محمدٌ مكانك ؟

فيقول: والله ما أُحِبُّ أن أكون َ آمنـاً في أهلي وولدي ، وأن محمداً تشوكُه شوكةٌ .... وإني والله ماذكرتُ ذلك اليوم وكيف أني تركتُ نصرتَه إلا ظننت أن الله لا يغفِر لي ... وأصابتني تلك الغشية.

 

عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يُخيِّب ظنِّي به.

ثمّ بعث له بألف دينارٍ ليستعين بها على حاجته. فلما رأتها زوجته قالت له:  الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك ، اشترِ لنا مؤنةً واستأجر لنا خادماً. فقال لها: وهل لكِ فيما هو خيرٌ من ذلكَ ؟

قالت: وماذاك ؟!

قال: ندفعها إلى من يأتينا بها ونحن أحوج مانكون إليها.

قالت: وما ذاك ؟!

قال: نُقرِضُها الله قرضاً حسنـاً.

قالت: نعم ، وجزيتَ خيراً.

 

فما غادرَ مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانيرَ في صُررٍ ، وقال لواحد من أهلِه: انطلق بها إلى أرملةِ فلان ، وإلى أيتـام فلانٍ ، وإلى مساكـين آل فلانٍ ، وإلى مُعوِِزي آل فلانٍ.

 

* * *

- رضي الله عن سعيدٍ بن عامرٍ الجُمحيَّ فقد كان من الذين يؤثرون على أنفسِهم ولو كانت بهم خَصاصةٌ.

للكاتب : الدكتور : عبدالرحمن رأفت الباشا - مؤرخ سوري - رحمه الله - 1920/1986م



الربيع بن زياد الحارثي


 

* هذه مدينَةُ رَسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم ما تَزالُ تُكَفِكفُ أَحزَانَها ( تهدئ أحزانها وتمنعها من الاسترسال ) على فَقدِ الصِّدّيق...

وها هي ذي وُفُودُ الأَمصارِ تَقدَمُ كُلَّ يومٍ على المدينة مُبايعةً خَليفتَه عُمَرَ بنَ الخَطابِ على السَّمعِ والطاعةِ في المنشطِ والمَكرَه ( في العسر واليسر ) وفي ذات صباح قدم على أمير المؤمنين وفد البحرين مع طائفة أخرى من الوفود.

وكانَ الفاروقُ رِضوانُ اللهِ عليه شَديدَ الحِرصِ على أَن يَسمَعَ كلامَ الوافدين عليه؛ لَعَلَّه يَجِدُ فيما يقولونه مَوعِظةً بالِغَةً، أو فِكرَة نافِعةً، أو نصيحةً للهِ ولِكتابِهِ ولِعامةِ المسلمين.

فَنَدبَ عَدداً من الحاضرين لِلكَلام فَلَم يقولوا شَيئاً ذا بالٍ.

فالتَفَتَ إلى رَجُلٍ تَوَسم فيه الخيرَ، وأَوما إليهِ وقالَ: هاتِ ما عِندكَ.

فَحَمِدَ الرَّجُلُ اللهَ وأثنى عليهِ ثم قال: إنكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ ما ولِّيتَ أمرَ هذه الأمةِ إلا ابتِلاءً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ابتلاكَ به.

فاتِّقِ الله فيما وُليتَ، واعلَم أنَّهُ لَو ضَلت شاةٌ بِشاطِئِ الفُراتِ لَسئِلتَ عَنها يَومَ القِيامَةِ.

فَأجهَشَ ( بكى بصوت عالٍ ) عُمَرُ بالبُكاءِ وقال: ما صدقني أحَدٌ مُنذُ استُخلِفتُ كما صدقتني، فمن أنتَ؟!

فقال: الرَّبيعُ بنُ زيادٍ الحارِثيُّ.

فقال: أخو المُهاجِرِ بنِ زيادٍ؟

فقال: نعم.

فلما انفَضَّ المَجلِسُ دَعَا عُمَرُ بنُ الخطّابِ أَبَا مُوسى الأَشعَرِيَّ وقال: تَحَرَّ أمر الرَّبيعِ بنِ زيادٍ، فإن يَكُ صادِقاً فإنَّ فيه خَيراً كثيراً وعَوناً لنا على هذا الأمرِ.

واستَعمِلهُ واكْتُبْ لي بِخَبَرِه.

 

* * *

لَم يَمضِ على ذلك اليومِ غَيرُ قليلٍ حتى أعدَّ أبو مُوسى الأشعرِيُّ جَيشاً لِفتحِ " مناذر " مِن أَرضِ الأهوَازِ بِناءً على أمرِ الخَليفةِ، وجَعَلَ في الجيشِ الربيعَ بنَ زيادٍ وأخاهُ المهاجِرَ.

 

* * *

- حاصَر أبو موسى الأشعريُّ " مناذر " وخَاضَ مَعَ أهلِهَا مَعَارِكَ طاحِنَةً قَلَما شَهِدَت لها الحُرُوبُ نَظِيراً.

فقد أبدَى المُشرِكونَ مِن شِدَّةِ البأسِ وقُوَّةِ الشَّكِيمةِ ( شدة الصبر وقوة الجَلَد ) ما لَم يَخطُر على بالٍ، وكَثُرَ القَتلُ في المسلمين كَثرَةً فاقَت كُلَّ تَقديرٍ.

فلما رأى " المُهاجِرُ " أخو الرَّبيعِ بنِ زياد أَنَّ القَتلَ قَد كَثُرَ في صُفوفِ المُسلِمينَ عَزَمَ على أن يبيع نَفسَهُ ابتِغاءَ مَرضَاةِ الله، فَتَحَنَّطَ ( وضع نفسه على الحنوط: وهو نوع من الطيب يذر على جسد الميت ) وتكفّنَ وَأَوصَى أخاه...

فَمَضَى الرَّبيعُ إلى أبي مُوسى وقال: إنَّ المُهاجِر قَد أَزمَعَ أن يَبيع نَفسَهُ وهُوَ صائِمٌ، والمُسلِمُونَ قَدِ اجتَمَعَ عَلَيهِم مِن وَطأَةِ الحَربِ وشِدَّةِ الصَّومِ ما أوهَنَ عَزَائِمهُمُ، وَهُم يَأبَونَ الإفطَارَ فَافعَل ما تَرَى.

فَوَقَفَ أبو موسى الأشعَريُّ، ونَادى الجَيشِ: يا مَعشَرَ المسلمين، عَزَمتُ ( أقسمت ) على كُلَّ صائِمٍ أن يُفطِر أو يَكُفَّ عَنِ القِتالِ، وشَرِبَ من إبريقٍ كان معهُ لِيَشربَ النَّاسُ بِشُربِهِ.

فَلَما سَمِعَ المُهاجِرُ مَقالَتَهُ جَرَعَ جُرعَةً من الماءِ وقال: والله ما شَرِبتُها من عَطَشٍ ولكنني أَبَررتُ عَزمَةَ أَمِيرِي ( أمضيت قسم أميري ونفذته )...

ثُمَّ امتَشَقَ حُسامَهُ وَطَفِقَ يَشُقُّ به الصفُوف، ويُجندِلُ الرِّجالَ غَيرَ وَجلٍ ولا هَيابٍ.

فَلما أَوغَلَ في جيشِ الأعدَاءِ أَطبقوا عَلَيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وَتَعَاوَرَتهُ ( تداولته ) سُيُوفُهُم من أمامِه ومن خَلفِه حَتى خَرَّ صريعاً...

ثم إنَّهم احتَزُّوا رَأسَهُ ونُصبوهُ على شُرفَةٍ مُطِلَّةٍ على ساحةِ القِتالِ.

فَنظَرَ إليهِ الرَّبيعُ، وقال طُوبَى ( السعادة والغبطة والعيش الطيب ) لك وَحُسنُ مآب...

واللهُ لأَنتقِمَنَّ لك ولِقَتلى المُسلمينَ إن شَاءَ اللهُ.

فَلما رَأى أبو موسى ما نَزل بالربيعِ منَ الجَزَعِ على أخيهِ، وأَدركَ ما ثَارَ مِنَ الحَفِيظَةِ في صَدرِهِ على أعدَاءِ اللهِ، تَخَلَّى لَهُ عن قِيادَةِ الجيشِ، ومَضَى إلى " السُّوسِ " لفتحِها.

 

* * *

- هَبَّ الرَّبيعُ وجُندُه على المُشركينَ هُبُوبَ الإعصارِ وانْصبُّوا على مَعَاقلهِمُ انصِبابَ الصُّخورِ إذا حطَّها السَّيلُ ؛ فمزَّقُوا صُفوفهُم وأَوهنُوا بَأسَهم ( أضعفوا قوتهم وضعضعوها ) فَفَتحَ الله " مَنَاذِرَ " للرَّبيعِ بنِ زيادٍ عَنوَةٍ... فَقَتلَ المُقاتلةَ، وسَبَى الذُّرِّيةَ، وغَنِمَ ما شاءَ اللهُ أن يَغنمَ.

 

* * *

- لمعَ نجمُ الربيعِ بن زيادٍ بعد معركةِ " مناذرَ " وذاع اسُمه على كلِّ لسان.

وأصبح أحدَ القادةِ المَرموقين ( الذين يرمقهم الناس بعيونهم إعجاباً لهم ) الذين يُرجَّون لجلائِلِ الأعمال...

فلما عزَمَ المسلمون على فتحِ " سِجِستَانَ " عهدوا إليه بقيادةِ الجيش وأمَّلوا على يديه النَّصر.

 

* * *

- مَضى الرَّبيعُ بن زيادٍ بِجيشهِ الغازِي في سبيلِ الله إلى سِجِستانَ عَبرَ مَفازَةٍ طُولُها خَمسَةٌ وسَبعُونَ فَرسَخاً، تَعيا ( تعجز ) عَن قطعِها الوحوشُ الكاسِرةُ من بناتِ الصَّحراءِ.

فكان أوَّل ما عَرضَ لهُ " رُستاقُ زالِقَ " ( مدينة كبيرة حصينة في سجستان ) على حُدُود سجستان وهو رُستاقٌ عامرٌ بالقُصورِ الفخمةِ مَحوطٌ بالحُصونِ الشامخةِ وافرُ الخيراتِ كثيرُ الثِّمارِ.

 

* * *

- بثَّ القائدُ الأرِيبُ ( الذكي النبيه ) عُيُونَهُ في " رستاق زالق " قَبل أن يَصِلَ إليه...

فَعلِم أنَّ القومَ سيحتفلونَ قريباً بمِهرجانٍ لهم، فتربَّصَ ( انتظرهم ) بِهم حتى بَغَتَهُمْ ( نزل عليهم ) في ليلةِ المِهرجانِ على حِينِ غِرَّة ( على غفلة وهم لا يشعرون ) وأعمَلَ في رقابِهمُ السَّيفَ وأخذَهَم عنوةً.

فَسبَى ( أسرهم واسترقهم ) مِنهم عشرين ألفاً، ووقَعَ دُهقَانُهُم ( كلمة فارسية معناها رئيس الإقليم ) في يَدِهِ أسِيراً...

وكان بينَ السَّبيِ مملوكٌ للدُّهقان، فوجدَوهُ قد جَمعَ ثلاثَمائةِ ألفٍ ليَحمِلها إلى سَيدهِ.

فقال له الربيع: مِن أينَ هذهِ الأموالُ؟ !

فقال: مِن إحدَى قُرى مَولاي.

فقال له: وهَل تُعطيهِ قريةٌ واحدةٌ مِثل هذا المَالِ كلَّ سَنةٍ؟!.

قال : نعم.

فقال : وكيف؟!!!

قال : بفُؤُوسِنَا، ومَنَاجِلنَا، وعَرقِنَا.

 

* * *

- ولمَّا وضَعتِ المَعركةُ أَوزَارهَا ( انتهت ) تَقدَّمَ الدُّهْقانُ إلى الرَّبيع يعرِضُ عَليهِ افتِداءَ نَفسِهِ وأهلهِ...

فقال له: أفديَكَ إذا أجزَلتَ لِلمسلِمينَ الفِدية.

فقال: وكمْ تَبغِي.

فقال: أَرْكُزُ ( أثبته في الأرض ) هذا الرُّمحَ في الأرضِ ثُم تَصبُّ عليهِ الذهَبَ والفضَّةَ حتى تَغمُره غَمراً.

فقال: رَضيتُ، واستخرَج ما في كُنُوزهِ من الأصْفرِ و الأبيَضِ وطَفِقَ يَصُبها على الرُّمحِ حتى غَطاه...

 

* * *

- تَوغَّلَ الربيعُ بن زيادٍ بجيشهِ المُنتصرِ في أرضِ سجستَانَ، فَطفَقت تَتَساقطُ الحُصونُ تحتَ سَنَابِكِ ( حوافر ) خَيلهِ كما تَتَساقطُ أوراقُ الشَّجرِ تحتَ عصفِ رياحِ الخريفِ.

وهبَّ أهلُ المُدُن والقُرى يستقِبلونَهُ مُستَأمِنِينَ ( طالبين الأمان ) خاضِعِينَ قبلَ أن يُشهرَ في وجُوههمُ السَّيفَ حتى بَلغَ مدينة " زَرَنجَ " عاصمة سجستان.

فإذا بِالعدو قد أَعَدَّ لِحربهِ العُدَّةَ، وَكَتبَ ( أعد قطع الجيش ونظمها ونسقها ) لِلقائهِ الكتائِبَ، واستَقدمَ لمُواجهتِهِ النَّجداتِ، وعَقد العَزمَ على أن يَذُودَهُ ( يدفعه ) عن المدينة الكبيرةِ، وأن يوقف زَحفَه على سِجِستانَ مهما كان الثمن غالياً.

ثم دارتْ بينَ الربيع وأعدائِهِ رحَى حربٍ طحونٍ ( حرب شديدة تطحن المحاربين طحناً ) لم يَضِنَّ عليها أيِّ من الفريقين بما تَطلبته من الضحايا.

 

فلما بَدرَت أولُ بادِرةٍ من بوادِرِ النصرِ للمسلمين رأى مرزبان ( رئيس القوم وهي كلمة فارسية ) القومِ المدُعو (بَرويز) أن يسعَى لمصالحةِ الربيع، وهو ما تزال فيه بَقيَّةٌ من قُوةٍ، لعلَّه يحظى لنفسِه ولقومه بشروطٍ أفضلَ....

فبعث إلى الربيع بن زيادٍ رسولاً من عنِده يسأله أن يَضربَ له موعداً للقائه؛ ليفاوضَه على الصُّلحِ فأجابه إلى طلبِه.

 

* * *

- أمَرَ الربيع رجالَه أن يُعدُّوا المكانَ لاستقبالِ " برويزُ " وطلب منهم أن يكدِّسوا حَولَ المجلسِ أكوِاماً من جُثثِ قتلى الفُرسِ...

وأن يطرَحوا على جانبي الطريق الذي سيمر به " برويز " جُثثاً أُخرى منثورةً في غيرِ نظامٍ.

وكان الربيعُ طَويلَ القامةِ، عظيمَ الهامةِ، شديدَ السُّمرةِ، ضخمِ الجُثَّةِ، يبعثُ الروع في نفسِ من يرَاهُ.

فَلمَّا دَخلَ عليه " برويز " ارتَعدتْ فرائِصُهُ جَزعَاً منهُ وانخَلعَ فُؤادُهُ هَلعاً من مَنظر القَتلى فَلم يَجرُؤ على الدُّنوِّ وخافَ فلم يَتقدم لمُصافحتِهِ...

وكلمَهُ بلِسانٍ مُتلجِلجٍ مُلتاثٍ، وصَالحَهُ على أن يُقدمَ لهُ ألفَ وَصيفٍ ( الغلام ) وعلى رأسِ كُلِّ وصيفٍ جامٌ ( كأس ) من الذهب، فَقَبلَ الربيعُ وصَالحَ " برويز " على ذلك.

وفي اليومِ التالي دخلَ الربيعُ بن زيادٍ المدينَةَ يَحُفُّ بهِ هذا الموكبُ من الوُصفَاءِ بين تَهليلِ المسلمين وتكبيِرهم ...

فكان يوماً مَشهوداً من أيَّام الله.

 

* * *

- ظلَّ الربيعُ بنُ زيادٍ سيفاً مُصلتاً في يدِ المسلمينَ يَصُولون به على أعداءِ الله ؛ ففَتحَ لهُمُ المُدُنَ، وولي لهم الوِلايَاتِ حتى آل الأمرُ إلى بني أُميةَ فَوَلاهُ معاويةُ ابنُ أبي سُفيان خراسَانَ....

بيد أنَّه لم يكن مُنشَرح الصدرِ لهذه الولاية....

وقد زادَه انقِباضاً منها وكُرهاً لها أنَّ زياد ابن أبيه أحَدَ كبارِ وُلاة بني أمية بعث إليه كتاباً فيه: "إن أميرَ المؤمنين معاويةَ بنَ أبي سفيان يأمرك أن تَستَبقِيَ الأصفَرَ والأبيضَ ( كناية عن الذهب والفضة ) من غنائمِ الحرب لبيتِ مالِ المسلمين، وتقسم ما سِوى ذلك بين المجاهدين..."

فكتب إليه يقول: " ني وَجدتُ كتابَ الله عَزَّ وجلَّ يَأمُرُ بغير ما أمرتني على لسان أمير المؤمنين ".

ثم نادى في النَّاسِ: أن اغدوا على غنائِمِكم فخذوها...

ثم أرسلَ الخُمُسَ ( القرآن الكريم يجعل خمس غنائم الحرب لبيت مال المسلمين والأخماس الأربعة الباقية تقسم على المقاتلين ) إلى دارِ الخلافةِ في دمشق...

 

* * *

- ولما كان يومُ الجمعةِ الذي تلا وصولَ هذا الكتابِ خرجَ الربيعُ بنُ زيادٍ إلى الصلاة في ثيابٍ بيضٍ، وخَطبَ النَّاسَ خطبةَ الجمعةِ، ثم قال: أيُّها الناسُ إني قد مَلِلتُ الحياةَ، وإني داعٍ بدعوةٍ، فأمِّنوا على دعائي.

ثُم قال: اللًّهُمَّ إن كُنتَ تريدُ بي خيراً فاقبِضني إلَيكَ عاجِلاً غير آجلٍ...

فأمَّنَ النَّاسُ على دُعائِهِ...

فلم تغِب شمسُ ذلك اليومِ حتى لحق الربيعُ بنُ زيادٍ بجوار رَبَّه.

للكاتب : الدكتور : عبدالرحمن رأفت الباشا - مؤرخ سوري - رحمه الله - 1920/1986م


0 التعليقات: