اعلن معنا

قالوا عن ابن عثيمين رحمه الله

From: محب الخير <galebaj@gmail.com>




 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

فمما يُذكر عن الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله 

في الإخلاص

ذكر معالي الشيخ عبدالله التركي أنه لما كان مديراً لجامعة الإمام صدر نظام للجامعة بشأن تصنيف المدرسين وترفيعهم حسب الأبحاث والدراسات، فكان الشيخ ابن عثيمين لا يقدّم شيئاً، وحينما فوتح في ذلك قال: إن العالم لا ينبغي أن يستشرف للرتب والترقيات، وأن أهل العلم ينبغي لهم الاحتساب والعمل لوجه الله، وما يجيء تبعاً فلا بأس به.

وذكر الشيخ وليد الحسين أنه قُدِّم للمترجَم مبلغ من المال مقابل محاضرات ألقاها في كلية التربية للبنات في عنيزة، فرفض وقال للمحاسب: هل تريدني أن أتقاضى راتباً إزاء واجباتي تجاه بناتي وأخواتي في الدين؟

وذكر الدكتور عبدالله الموسى أن المترجَم أخذه مرة إلى مختصر في بيته، وقال له: يا عبدالله! أنا وأنت هنا، ولا يرانا إلا الله، خذ هذا المال -يقول: وكان المبلغ كبيراً- وهو من مالي الخاص، واشتر به مصاحف، ووزعها على المحتاجين في السجون الأمريكية، وأنت مسؤول عن الشراء وعن التوزيع، وأسألك بالله ألا تبلغ بهذا أحداً. يقول الموسى: ولم أبلغ بهذا أحداً منذ وقته إلى الآن، أما وقت انتقل الشيخ إلى الرفيق الأعلى فلا أرى بأساً أن أذكر أنه كان من المنفقين في السراء والضراء، وكان لا يريد علم الناس بذلك .

في الورع

ذُكر عن الشيخ أنه كان قبل أن يخرج من الجامعة يفرّغ قلمه من الحبر، ويقول: هذا الحبر للجامعة وأمورها، ولا يحق لي استخدامه في أموري الخاصة خارجها.
ومن صور ورعه ما اشتُهر عنه أنه كان إذا غاب عن التدريس أو الإمامة، يحسب نسبة الانقطاع ويخصمه من راتبه، ولا يقبل أخذه، مهما كان الغياب أو الانقطاع قصيراً! بل كان إذا تأخر عن الدوام في المعهد بضع دقائق أثبت ذلك في سجل الحضور، وكتب أمامه: بغير عذر!

ويذكر الشيخ عبدالرحمن النهابي أنه وصل لجمعية تحفيظ القرآن بعنيزة مبلغ مئة ألف ريال من الزكاة، فأمر الشيخ بردّ المبلغ ومراجعة أصحابه، لأنه يفتي بعدم جواز صرف الزكاة لجمعيات التحفيظ.


في الزهد

قال الوزير السابق الدكتور محمد عبده يماني: "كنا نلاحظ عفة الرجل وترفعه عن الدنيا، فلم يكتب في طلب لجاه أو مال، فعندما عرض عليه الملك خالد رحمه الله أن يشتري له منزلا اعتذر، وفضّل أن يبقى في منزله قانعاً محتسباً، واستأذن أن يدفع المال لبناء المسجد إلى جانب مرفق خيري، كمكتبة في جوار المسجد بدلاً من أن يبني منزلا".

ومنزل الشيخ القديم متواضع جداً مبني من الطين، زاره فيه الملوك، منهم الملك سعود، والملك خالد، والملك فهد، ولم ينتقل منه إلا بإلحاح شديد من أبنائه، وبيته الجديد كان (فيلا) من النوع السكني المعتاد، ومجلسه متواضع، وزاره فيه الملك عبدالله -عندما كان ولياً للعهد-، والأمير سلطان، وكبار المسؤولين، ومع زيارة الملوك والكبار له في بيته ما كان يطلب شيئاً خاصاً لنفسه، بل يطلب ما فيه منفعة لعموم الناس في دينهم ودنياهم، مع المناصحة الخاصة والطاعة بالمعروف.

ومرة أهدى له أمير القصيم سيارة أمريكية جديدة، فشكره الشيخ، ثم ردّها إليه قائلا: إنه لا حاجة له بها، وإن سيارته القديمة -وهي من النوع الرخيص- تفي بأغراضه، وكان يمشي دائماً من بيته لمسجده لجميع الفروض ولا يركب سيارة، مع أن المسافة نحو ألف متر، ويجعل طريقه لمراجعة القرآن وللأوراد والأذكار وإلقاء السلام، وأحياناً يُقرأ عليه في الطريق.


في تحري السنّة والالتزام بها

حدثني شيخي المحدّث سعد الحميّد، قال: كنا مرة في أحد المجالس بالرياض، وكنت أنا الأول من جهة اليمين في المجلس، والشيخ في صدره، فلما أعطوه فنجان القهوة أصر أن آخذ أنا أولاً بحكم أني الأول من جهة اليمين، فأبيت أن آخذ قبل شيخنا؛ لأنه الأكبر علماً وقدراً وسنّاً، فاستدل بالأحاديث الواردة في فضل الأيمن، ومنها حديث أنه أعطى مَن على يمينه، فقلت له: لكن النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي أولاً مع أنه لم يكن هو الأول في المجلس، فقال: إنما بُدئ به لأنه الطالب للشراب. فقلت: هما حديثان أحدهما فيه أنه طلب الشراب، وليس في الآخر أنه طلب، وأنا أعني حديث أنس في الصحيح: أَتَانَا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في دَارِنَا هذه فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا له شَاةً لنا ثُمَّ شُبْتُهُ من مَاءِ بِئْرِنَا هذه فَأَعْطَيْتُهُ وأبو بَكْرٍ عن يَسَارِهِ وَعُمَرُ تُجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عن يَمِينِهِ فلما فَرَغَ قال عُمَرُ هذا أبو بَكْرٍ فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ قال الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ ألا فَيَمِّنُوا قال أَنَسٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
والحديث الآخر: حديث سَهْلِ بن سَعْدٍ رضي الله عنه قال أُتِيَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هو أَحْدَثُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عن يَسَارِهِ قال يا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَ الْأَشْيَاخَ فقال ما كنت لِأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ .
فحديث أنس فيه أنه صلى الله عليه وسلم طلب السقيا (استسقى)، وأما حديث سهل فقد أتي صلى الله عليه وسلم بالشراب، ولم يُذكر فيه أنه طلبه.
يقول شيخي الحميد: لم تنته القصة هنا، فلما رجع الشيخ لعنيزة اتصلت به كعادتي للاستفادة منه، فعرفني، وقال: انتظر! فإذا به أعد العدة، وأحضر فتح الباري وقرأ الموضع، وقال: اسمع ما يقول الحافظ. وكان الموضع يدعم وجهة نظره، والشاهد: حرصه رحمه الله على السنّة والفائدة.


في تحري العدل

ذكر الشيخ القاضي أحمد بن سليمان العريني أن الشيخ المترجَم لما درّسهم مادة العقيدة في كلية الشريعة بالقصيم: أجرى لهم امتحان أعمال السنة، وبعد أيام جاء بالأوراق مصححة، وسلّم الأوراق للطلاب الذين يزيدون على الثمانين، وقال لهم: اقرؤوها، ومن وجد أني ظلمته في شيء من الدرجات عند التصحيح فليراجعني. يقول: فأذكر أن أحد الزملاء راجعه في نصف درجة فأضافها له!


في الدقة والأمانة

تدل عليها القصة السابقة، ويقول الشيخ عقيل بن عبدالعزيز العقيل: سلمني الشيخ كيسا كبيرا فيه أموال جُمعت لصالح المسلمين خارج المملكة، ولما خرجت من بيته وأردت أن أركب السيارة؛ إذا بالشيخ يُقبل علينا قائلاً: في الكيس نصف ريال، انتبهوا إليه لئلا يقع!


في عفة اللسان

اشتهر أن الشيخ رحمه الله لم يكن يرضى بالغيبة في مجلسه لا تصريحاً ولا تلميحاً، يقول الشيخ أحمد العريني: في يوم من الأيام كنا في درسه في الجامع الكبير بعنيزة، فقام أحد الطلاب الخليجيين يسأل الشيخ، فذكر في سؤاله أن أناساً في جامعة كذا في دولة كذا يفعلون كذا. وقبل أن يكمل سؤاله قاطعه الشيخ وزجره، وقال له: لولا أنك غريب علينا ولا تعرف منهجنا لأخرجناك من الدرس، ولكن لا تعد لمثل هذا.


في الحرص على نفع الناس

إن الناظر إلى جدول المترجَم اليومي والأسبوعي يعجب من أنه يشغل وقته كله من الفجر إلى الليل في منفعة الناس، وإذا كان في بيته يستقبل الفتاوى على الهاتف، إذا كان في الطريق فهو في خير وعلم وذكر..
تقول زوجته: إن نومه المتصل كان ثلاث أو أربع ساعات، ومجموع نومه في اليوم لا يصل إلى ست ساعات، هذا جدوله العادي، فكيف في أيام المواسم؟ لقد كان ينشط في رمضان والحج أكثر من سائر العام، ولا يبالي بمشقة الصيام والحج في سبيل الدعوة إلى الله وإفادة الناس.
ففي رمضان ذكر تلامذته أنه لا ينام إلا أربع ساعات فقط من كثرة اجتهاده في العبادة والخير والفتوى والتدريس.

أما في الحج فهذه قصة حدثنيها شيخي د. سعد الحميّد، فقال لي: أكثر ما شدني في الشيخ صبره وحرصه على تعليم الناس وتربيتهم، لاحظته سنة 1404 في المركز رقم (1) من مراكز التوعية في الحج، منذ أن نزلنا من الحافلة وقبل أن ندخل الخيام توجه الشيخ إلى المصلى وأمسك بمكبر الصوت، وجلس للناس، وابتدأ الحديث، واجتمع عليه الناس، وأخذ في الفتوى والتذكير، ولم يزل هذا ديدنه أكثر الوقت، ونحن نرى أن له حقاً في الراحة، لكنه رحمه الله كانت راحته في نفع الناس، ولا شك أن المشاركين في مخيم التوعية ما أتوا إلا لهذا الغرض، لكن الشيخ فاقهم بصبره وجَلَده وتضحيته براحته، فكنا إذا تعبنا نرتاح في الخيام، وما يزال صوت الشيخ يجلجل في الآفاق، فنعجب من قوة صبره وتحمله الساعات الطويلة التي لا يستطيعها الشباب!

وذكر الشيخ عبدالمحسن العباد أشياء من حرص الشيخ في توعية الحج، وذكر من حرصه أنه خصص أوقاتاً للإفتاء عبر الهاتف وهو في منزله بعنيزة، وإذا سافر جعل تسجيلاً على الهاتف يُرشد لرقم الهاتف في البلد الذي سافر له.
وذكر الأستاذ عبدالكريم المقرن -المذيع المعروف- أنه في إحدى مرات تسجيل فتاوى نور على الدرب أحس الشيخ بالنعاس، وبدأ يدافعه، ثم أوقف التسجيل، وطلب أن يمد سلك اللاقط ليجيب عن الأسئلة وهو واقف، وبعدها بدأ يجيب ويفتي وهو يمشي في المجلس ذهاباً وإياباً ليطرد النوم، حتى أكمل تسجيل الحلقات.
ويقول: اتصل بي في صيف 1419 ليخبرني أنه في المدينة المنورة، وزودني برقم الهاتف حتى نتمكن من الاتصال به عبر برنامج سؤال على الهاتف في وقته المحدد، كي لا تفوت الفائدة.
وحقاًً.. لم يشعر الناس بعظم المهمة التي كان يسدها المترجَم هو وشيخه ابن باز في الإفتاء إلا بعد وفاتهما!


في الحرص على دقائق أعمال الخير

ذكر الأستاذ عبدالكريم المقرن أنه في إحدى مرات تسجيله لبرنامج نور على الدرب كان للشيخ محاضرة في فرع الجامعة ببريدة، فطلب الشيخ منه أن يذهب في سيارته بعد التسجيل للمحاضرة، فلما ركب في السيارة حاول الشيخ إنزال زجاج النافذة بجانبه، يقول: فأخبرت الشيخ أن الزجاج به خلل ولا ينزل، فقال الشيخ رحمه الله: لا بد من إنزاله يا عبدالكريم، لأنني أريد أن أسلم على من أقابله من الناس. فرأيت من حرص الشيخ وتحمسه، فحاولت إنزال شيء من زجاج السيارة الذي عن يمين الشيخ، ثم فتحت زجاج السيارة الخلفي، فكنا أثناء مرورنا عند الإشارة والسوق كان يرفع صوته بالسلام على الصغير والكبير والماشي والقاعد، ثم قال: يا عبدالكريم لا تحرمنا من الأجر!

ويذكر المقرن أنه كان يرى الشيخ إذا تناول معه الغداء بعد التسجيل يلعق الصحفة، ويشرب ثلاثاً، ويحرص على كل ما فيه تطبيق للسنة.
وحدثني الشيخ عمر الحفيان: أن الشيخ لما صار يزور مبنى إدارة مكتبة العبيكان لأجل طبع كتابه الشرح الممتع حان وقت الصلاة، فسأل عن المسجد، فقيل له: هنا مصلى يصلي فيه العاملون في الإدارة، وهم جماعة كبيرة، فسألهم: هل تُصلى فيه جميع الفروض؟ فقالوا: إلا الفجر، فقال: لا حاجة لي في الصلاة فيه، دلوني على أقرب مسجد، فصار يمشي للمسجد كعادته على قدميه.


في مدى النفع والقَبول

ذكر الشيخ الداعية أحمد بن عبدالعزيز الحمدان أنه رافق المترجَم سنة 1416 في سلامه المعتاد على الحجاج القادمين إلى مطار جُدة، ودخلوا صالة استقبال كانت تضم حجاجاً من بعض جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت تحت الحكم الشيوعي الروسي، وكان جميع الحجاج من المسنين فوق الستين، ثم بدأ الشيخ يتكلم عبر مكبر الصوت ويترجم لهم مرشد الحملة وهو الشاب الوحيد، فلما فرغ الشيخ من حديثه جاء المرشد ليسلم عليه، فأُخبر أنه الشيخ ابن عثيمين، فإذا بالشاب ينظر للشيخ باستغراب وقد اتسعت حدقتا عينيه، وقال: الشيخ محمد بن صالح العثيمين؟! فقالوا: نعم. فإذا به يحتضن الشيخ وعيناه تدمعان، ويكرر اسم الشيخ فرحاً، ثم أخذ مكبر الصوت، ونادى في أفراد الحملة بكلام -يقول الراوي:- لم نفهم منه سوى ترديده لاسم الشيخ، وكانت المفاجأة الكبرى عندما أخذ أفراد الحملة يبكون، وارتفعت أصواتهم وهم يرددون اسم الشيخ العثيمين، فقال الشاب: يا شيخ هؤلاء كلهم طلابك! هؤلاء كانوا يدرسون كتبك في الأقباء تحت الأرض لما كان تعليم الإسلام ممنوعاً عندنا، وهم في شوق للسلام عليك، فهل تأذن لهم؟ فأذن لهم الشيخ، فأقبلوا يقبّلون رأسه ويديه وهم يبكون ويرددون اسمه. قال الراوي: فكان من أشد المواقف تأثيراً، وما أعلم من بقي في ذلك المكان إلا وبكى تأثراً بما رأى وسمع.

وقال الشيخ محمد بن عبدالجواد الصاوي -أحد مرافقي الشيخ وقارئ الأسئلة عليه في المسجد الحرام-: في إحدى المرات كان ذاهباً فيها إلى البيت من الحرم بعد إلقاء دروسه، وكنت كما هي العادة أذهب معه وأوصله إلى البيت: استوقف أحدَ المدخنين وهو يمسك دخينته، ونصحه بلطف وهدوء حتى رمى هذا المدخن الدخينة من يده لما رآه من هيبة هذا الرجل الذي نصحه، ورأى الناس خلفه بأعداد هائلة كلهم يريد سؤاله واستفتاءه، فسألني وأنا أسير خلف الشيخ: من هذا؟ فقلت له: الشيخ محمد بن عثيمين، فلم أكمل كلمتي إلا وصرخ من شدة دهشته للموقف، وقال: والله لا أشرب الدخان بعد هذه المرة أبداً!


في التواضع

يذكر الأستاذ محمد المشوح أنه لما استضاف المترجَم في برنامجه الإذاعي المعروف: "في موكب الدعوة" صدّر اللقاء بتقديم مختصر، يقول: أثنيت فيه على الشيخ رحمه الله بما هو أهل له من الأوصاف العلمية والمديح الصادق، فأوقفني وأوقف التسجيل، وطلب حذف تلك المقدمة، والاكتفاء بالاسم مجرداً من أي مديح أو إطراء وثناء.
وفي لقاء آخر في الإذاعة بدأ المذيع في الثناء على الشيخ، قائلا: "فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، من أبناء عنيزة، ومن علماء المملكة، لكم تاريخه المعروف"، فما كان من الشيخ إلا أن قال بصوت ظهر في التسجيل: "أستغفر الله وأتوب إليه".

وكان الشيخ رحمه الله يكره أن يُمدح، ولا يرضى أن تُضفى الألقاب على اسمه، وحدثني الشيخ عمر بن سليمان الحفيان أنه لما أراد طبع المجلد الأول من الشرح الممتع قام الشيخ وشطب بيده الألقاب من صفحة العنوان، وأبقى اسمه مجرداً، وقال: هكذا تطبعونه.
وهناك مقطع متداول للشيخ يمنع فيه أحد الطلبة بإصرار من أن يكمل قراءة قصيدة فيها مدح له.

وذكرت أم إبراهيم أنها وقفت في طريق الشيخ في الحرم أواخر حياته لتسأله عن فتوى، فوقف مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقف حوله جمع غفير من الرجال يسمعون فتواه، فقالت له: لا أستطيع الكلام وهؤلاء يحيطون بنا. فالتفت إليهم وأمرهم بالانصراف، تقول: ثم انضم إلي مجموعة من النساء، فاستمع الشيخ إلى استفتاءاتهن حتى فرغن.

وحدثني الشيخ عمر الحفيان أنه خرج مع الشيخ مشياً إلى المسجد القريب من مكتبة العبيكان في الرياض، فمر في طريقه ببعض عمال النظافة، فاقترب منهم، وصافحهم مسلّماً عليهم بوجه بشوش، وسألهم عن أحوالهم، ويقول: لم يترك أحداً في طريقه إلا ويسلم عليه، وكان يسلم على الأطفال الذين يلعبون الكرة في الشارع، ويرشدهم بلطف للذهاب إلى المسجد!
وذكر الأستاذ سامي العزيّر أن ابنه أحمد وعمره ثمان سنوات قام بسحب الشيخ من بين تلاميذه إلى خارج المسجد قائلاً له: تعال سلّم على بابا سامي! يقول: وكنت خارج المسجد، فرأيت الشيخ الجليل يخرج مع ابني أحمد بهيبته وهو يبتسم، فقبّلت رأسه، وشكرته، واعتذرت منه على تصرف الولد، ولكنه كان مسروراً جداً، ولم يبد أي تضايق!


في عدم التكلُّف

كان الشيخ رحمه الله مجانباً للتكلف في ملبسه ومظهره، وكان مشلحه (البشت) من الأنواع العادية الرخيصة، ويبتعد عن الأبَّهة والمظاهر، كما كان سهلاً ليناً في تعامله، ومن هنا توجد قصص كثيرة وطريفة عن عدم معرفة بعض الناس له، وعدم توقعهم أن يكون هذا الشيخ ذو المظهر العادي هو الشيخ ابن عثيمين!
ومن أغرب هذه المواقف أن المترجَم كان عائداً من المسجد إلى بيته مشياً كالعادة، فإذا حشد من الناس وطوق من الجنود حول منزله يمنعون أي شخص من الاقتراب، فأراد الشيخ أن يخترق الجموع ليصل إلى منزله، فمنعه الجنود بحجة أن الملك فهد يقوم بزيارة الشيخ ابن عثيمين! فقال لهم: أنا ابن عثيمين! وأكّد لهم ذلك؛ حتى وافقوا على دخوله منزله، ليجد الملك ينتظره في المجلس!


في رقة القلب

ذكر الشيخ خالد الحمودي أنه قُبيل وفاة الشيخ كان في مجلس وتليت قصيدة فيها ذكر الموت، فبكى الشيخ بكاء شديداً، وهو يسأل الله قائلاً: اللهم أعنّا على الموت.. اللهم أعنا على الموت!


في الصبر على الأقدار

تقول زوجة الشيخ أنه لما علم بإصابته بمرض السرطان تلقى الخبر بالصبر والاحتساب، وتقول: حتى إنه رحمه الله حمل همّ تلقينا نحن للخبر، وقد ذكر لي أحد أبنائي بعد ذلك بأن الوالد رحمه الله طلب منهم عدم ذكر شيء لوالدتكم وأخواتكم، واتركوا ذلك لي، وقد قام رحمه الله بنقل الخبر لنا بالتدريج، نسأل الله تعالى أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته.
وتقول: أما صور صبره رحمه الله فقد تجلت أثناء مرضه، فقد كنت أعلم أنه يعاني آلاماً شديدة، وقد كان الألم يوقظه من نومه عدة مرات في الليل، ولكنه عندما يُسأل عن الألم كان يرد بوجود ألم، ولكنه يضيف: بأنني أقول ذلك من باب الإخبار، وليس من باب الشكوى، لأنه رحمه الله يعرف جزاء الصابرين.


في العبادة

ذكر الشيخ حمد العثمان الكويتي -أحد أصحاب المترجَم- أن الشيخ كان لا يترك قيام الليل حتى في السفر، ومرة سافر مع الشيخ للعمرة بالسيارة، وعند العودة استسلم الجميع للنوم لشدة التعب، يقول: واستيقظت من النوم في منتصف الليل، وإذا بالشيخ قائم يصلي، فقلت في نفسي: يا سبحان الله! أنا شاب أستسلم للنوم، وهذا شيخ كبير يستسلم للصلاة والعبادة؟ فتوضأت ثم شرعت في الصلاة اقتداء بالشيخ، فحاولتُ أن أصارع النعاس وأغالبه، فلم أتمكن من ذلك حتى صرعني النعاس، فخلدت إلى النوم، وتركت الشيخ يصلي!


في الرحمة

ذكر الشيخ أيمن أبانمي حادثة شهدها فيها عبرة وطرفة، قال: كان في أحد دروسه في سطح الحرم، فأتت هرة بين الصفوف، والشيخ كان يلقي الدرس، فأوقف الشيخ الدرس وقال: ماذا تريد هذه الهرة؟ لعلها تريد ماء، اسقوها ماء. فسقوها، ثم ذكر الشيخ فائدة عن حكم سؤر الهرة، ثم قال بعد ذلك: هذه فائدة بمناسبة حضور الهرة! فضحك الجميع.


في إنكار المنكر

يقول الدكتور سعود مختار: من مواقفه التي لا أنساها أنه دعي إلى إلقاء محاضرة في إحدى المؤسسات الرسمية، وكانت ثمة صور كبيرة في المنصة بشكل فيه تعظيم لا يليق، فأمر الشيخُ مسؤولَ المؤسسة أن ينزلها، فأبى، فأصر ورفض أن يبدأ محاضرته قبل إنزال الصور، ولما رفض هذا المسؤول أخذ الشيخُ طلابه الذين كانوا بالآلاف وانتقل بهم إلى مسجد قريب، حيث أقام المحاضرة! مما اضطر هذا المسؤول للحاق به والاعتذار.
وذكر الشيخ ناصر القفاري أن المترجَم لما سمع بمظاهرة بعض النسوة في الرياض لأجل قيادة المرأة للسيارة وبعض المطالب التغريبية: اتصل الشيخ بأمير الرياض في منزله، فأخبروه أنه نائم، فطلب إيقاظه وأن يبلَّغ أن ابن عثيمين يريده في أمر ضروري، فلما كلمه أخبره الشيخ بما حصل، وأوصاه أن يتدخل بنفسه في وضع حد لذلك.
ومن الجدير بالذكر أن منهج الشيخ في إنكار المنكرات العامة كان عبر مناصحة المسؤولين بالإسرار ما استطاع، بعد التأني والتثبت ورؤية الطريقة الأنسب، وكان يُنكر الأساليب غير المنضبطة مثل التشهير والتهييج العام.


في دقة المواعيد والمحافظة على الأوقات 

يذكر الشيخ عبدالله الطيار وفقه الله موقفا عجيباً، يقول: إن الشيخ دعاه دعوةً خاصة للغداء أواخر سنة 1403 ودعا معه عميد كلية الشريعة ووكيلها فقط، وطلب منه الحضور الساعة الثانية ظهراً، وأكّد عليه بعدم التأخر. ويقول: إنه تأخر في الخروج مع العميد لبعض الأشغال في الكلية ووصلا بعد عشر دقائق (فقط!) من الموعد، يقول: فتفاجأنا بأن الشيخ راكب في سيارته! فنزلت وقلت له: أين تذهب يا شيخ؟ فقال: الأولاد عندكم تغدوا معهم! فقلت له: ما جئنا من أجل الغداء، جئنا لنجلس معك، ووالله إن ذهبت لن ندخل! فضحك الشيخ، وقال: لا بأس، بشرط ألا تتأخر مرة أخرى! فقلت: إن شاء الله، ولكن السبب كذا وكذا. فأعطانا الشيخ درساً عملياً في دقة المواعيد والاهتمام بها والحرص عليها.

ومن أجلى صور محافظة الشيخ على وقته أن عدداً من المتون قرئت عليه في طريقه وممشاه الدائم من بيته لمسجده، وكذا صححت عليه مجموعة من المذكرات، وكانت الجموعُ تمشي معه وتستفتيه.
وذكر الشيخ وليد الحسين أن الشيخ كان يجيب على الفتاوى وهو يأكل طعامه، يقول: وكان يغتنم الوقت في سفره، فكنت كثيراً ما أراجع معه مذكرات الدروس التي كتبتها عنه، وإذا كان السفر بالسيارة مسافات بعيدة تزيد على خمس ساعات يملأ الطريق فائدة ما بين قراءة للقرآن أو مراجعات أو قراءة في كتاب، أو يخلو بنفسه في مراجعته.
ولما سئلت زوجة الشيخ: لماذا لم يكن الشيخ يحنِّي لحيته أجابت: لم يكن لديه الوقت!


في سعيه في منفعة الناس

لن أتكلم عن شفاعته ومساعدته للمحتاجين أو مساعيه الخيرية، ولا سعيه لنفع الناس في دينهم، فكل ذلك كثير مشتهر، ولكني أتناول سعيه في مساعدة الناس في أمورهم الدنيوية، يحكي الشيخ عبدالرحمن النهابي أن الشيخ كان يتحدث كثيراً مع من يزوره من المسؤولين في مختلف الموضوعات والمشاريع التي تهم عامة البلد وتنفعه، ومن ذلك لما عانى أهل عنيزة نقص المياه سعى لدى المسؤولين لإيجاد حل، ولما علم أن من الأسباب حاجة المدينة إلى مزيد من الآبار شجع الأهالي لزيادتها، وقال إنه سيتولى جمع المبلغ المتبقي لاستكمال التكلفة المتوقعة، وفعلاً استطاع جمع مليوني ريال قبيل مرضه، وحصل النفع والصدقة الجارية بإذن الله على بلده.
ويذكر الأستاذ عبدالكريم المقرن أن الشيخ كانت تأتيه مهاتفات للسلام والاطمئنان عليه من بعض مناطق المملكة، فكان يسألهم أيام المواسم عن هطل الأمطار، وكان يسر بسماع خبر وفرتها، ويحمد الله ويشكره.


في عنايته بأسرته وصلة أرحامه

مع ازدحام وقت الشيخ بالأعمال الجليلة يذكر ابنه الأستاذ عبدالرحمن أن أباه خصص ليلة الجمعة كل أسبوع لزيارة عمته في عنيزة، وكان حريصاً ألا يفوّت فرصة زيارتها.
وتقول زوجة الشيخ: كان للعائلة رحلة أسبوعية وهي يوم الجمعة بعد الصلاة، حيث نخرج إلى منطقة برية قريبة ونتناول طعام الغداء، وكان يستغل ذلك الوقت في مشاركة أبنائه في بعض المسابقات، كالجري، وحل الألغاز، وكان يصطحب معه بندقية صغيرة، ويتبارى مع أبنائه في الرماية، وغير ذلك.

وتقول: إن سعادته في منزله كانت تتجلى في جلساته مع أبنائه كباراً وصغاراً، وبعد ذلك كنت تلحظ علامة السعادة والفرح عند استقباله لأحفاده، فكان رحمه الله يفتح عباءته (بشته)، ثم يدخلهم، ويبدأ بالسؤال عنهم، ثم يفتح (بشته)، ويكرر ذلك عدة مرات، بعدها يأخذهم إلى مكتبته، وكان يحتفظ بها بنوع معين من الحلوى كنا نحرص على ألا يجدوه إلا عنده رحمه الله، فيعطيهم منها، وكانوا يسمونها: "حلاوة أبوي"، كما كان رحمه الله برغم مشاغله يعودهم في منازلهم إذا سمع بمرض أحدهم، وكذلك يذهب لزيارتهم في المستشفى إن كانوا هناك، وكان لذلك أكبر الأثر في نفوس الأحفاد وآبائهم وأمهاتهم.

وقالت: وكان رحمه الله ينظم وقته ويهتم بذلك كثيراً، فللتدريس والفتوى والدعوة وقت، وللعبادة أوقات، وللأسرة والأبناء وقت، وكذلك للالتزامات العائلية وصلة الرحم أيضاً وقت، وكان رحمه الله عندما لا يستطيع الوفاء بالالتزامات الأسرية حضورياً كان يحرص على المشاركة ولو هاتفياً، حتى لو تغيب رحمه الله عن المنزل سواءً في ارتباطاته العلمية والتدريسية داخل عنيزة أو إذا كان مسافراً: كان رحمه الله متابعاً لأبنائه، بالسؤال عنهم هاتفياً، وكذلك بتفقدهم عند عودته، ودوري لا يُذكر، فقد كان حسه معنا دائماً، وفي العموم كنت أُشعر الأبناء بأن والدهم مسؤولياته كبيرة وأعماله كثيرة، وأصبّرهم بذلك، وكان رحمه الله يعوضهم عن ذلك حال عودته.


في حسن الخلق

القصص في حسن خلق الشيخ كثيرة جداً، من ذلك ما يحكيه الأستاذ عبدالله بن إبراهيم السلوم: أن أحد فنيي الكهرباء الهنود من غير المسلمين كان عمل في منزل الشيخ مدة، يقول: ثم عمل عندي، وقال لي: أسلمت. فقلت له: كيف؟ فقال: أسلمت بسبب تعامل الشيخ اللطيف معي. ويقول السلوم: كان يتعامل مع الجميع بالحسنى.

ومرة كان الشيخ عائداً من المسجد الحرام إلى مقر إقامته، فإذا ثلة من الشباب يلعبون الكرة وقد انشغلوا عن الصلاة، فوقف الشيخ ينصحهم ويذكرهم، ولم يعرفوه، فقام أحدهم ورفع صوته على الشيخ وجعل يسبّه، فأخذ الشيخ يلاطفه، وقال له: تفضل معي إلى السكن لنتحدث، وأقنع من بجانب الشيخ الشاب أن يسمع كلام الشيخ، فلما دخل مقره استضافه، ثم غاب عن المجلس لدقائق، فقال الحاضرون للشاب: هل تعرف من هو هذا الشيخ؟ فقال: لا! فقالوا: هذا الشيخ ابن عثيمين.. فتغير وجه الشاب، فما إن دخل الشيخ حتى قام إليه الشاب منكباً على رأسه يقبله وهو يبكي، وكان هذا الموقف سبباً في هداية هذا الشاب واستقامته.


في الديانة والورع في الفتوى

كان الشيخ رحمه الله لا يستنكف عن التراجع عن رأيه إن ترجح له خلافه، ولهذا تراجع عن عدد من المسائل، منها ما أخبرني الشيخ عمر الحفيان أنه راجع المترجَم في مسألة كون الحيض ينقطع في الحمل ليكون غذاء للجنين كما ذكر بعض الفقهاء، وأحضر له مراجع طبية، فرجع عن القول بذلك.
وذكر الأستاذ عبدالكريم المقرن أنه في أثناء تسجيل برنامج سؤال على الهاتف مع المترجَم جاءه سؤال عن صحة حديث، فتوقف وقال: الله أعلم، وأرجو أن تحيلوا هذا السؤال بخصوص هذا الحديث إلى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز.
كما ذكر أن الشيخ كان يقول في برنامج نور على الدرب: أرجو من الأخ السائل ألا يطرح السؤال بهذه الصيغة: ما حكم الشرع في المسألة الفلانية، بل يجب أن يصحح سؤاله ويقول: ما حكم الشرع في نظركم في المسألة الفلانية، أو: ما رأيكم في المسألة الفلانية؟ لأن العالم قد يُخطئ، فيُنسب القول إلى الشرع، والأمر خلاف ذلك .




--

 




0 التعليقات: